د. عبدالكريم محمد عبدالله الوظّاف: المحلول الذي يُذيب الدول

 abdel-kareem-wathaf.jpg666

د. عبدالكريم محمد عبدالله الوظّاف

من يدرس التأريخ، يُمكن أن يتنبأ بالمستقبل. لا أعتقد أن في هذه العبارة أية مبالغة، فالتأريخ يُعيد نفسه، وللكون سنن وقوانين، تنطبق على جميع الأماكن والبقاع، وفي الماضي والحاضر والمستقبل، كما أن للغرب سنن. إن ما حصل بالأمس من استهداف طيران العدوان السعودي الاماراتي على اليمن، لصالة عزاء للنساء في مديرية أرحب، شمال العاصمة اليمنية صنعاء، ومن قبلها في شهر أغسطس من العام الماضي 2016م، من استهداف الصالة الكبرى، بالعاصمة اليمنية صنعاء، أثناء إقامة عزاء للرجال، راح ضحيتها حوالي 1000 إنسان، ما بين قتيل وجريح، وما سبق ذلك من جرائم ضد الإنسانية، وضد مواثيق الأمم المتحدة، والإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وقوانين الحروب، من قتل للمدنيين، والنساء والأطفال، واستهداف البنية التحتية للخدمات، والطرق والجسور والأسواق، واستخدام الأسلحة المحرمة دوليًا لقتل الإنسان والأرض اليمنيتين… فلماذا يصمت العالم أجمع أمام كل هذه الفظائع؟ لماذا تسكت الدول التي تتغنى بالدفاع عن حقوق الإنسان، وأولها الولايات المتحدة، وبريطانياً، عن كل هذه المجازر وغيرها؟

ما العراق منّا ببعيدة، وما حصل فيها أيام الرئيس صدام حسين ليس منّا ببعيد. في عام 1988، وقبيل انتهاء الحرب العبثية العراقية الإيرانية، قام الجيش العراقي بقصف حلبجة الكردية بالغاز الكيماوي، مما أدى إلى مقتل حوالي 5000 إنسان، وأُصيب ما بين 7000 – 10000 إنسان، أغلبهم من المدنيين. أعقبه ذلك، بسنوات قليلة، تحالفٌ غربي عربي على العراق، تحت ما يُسمى “عاصفة الصحراء”، انتهى باحتلال العراق، وإسقاط النظام، وقَتل الرئيس صدام حسين، وتم خلاله كل ذلك، فتح ملفات انتهاك العراق لحقوق الإنسان، ومن بينها ملف مجزرة ضرب الأكراد بالكيماوي. هكذا هي سنن الكون، وهكذا هم الغرب، وهو ما سأبينه تاليًا.

لقد تغطرس النظام العراقي، وملئه الغرور، وأصبح الشرطي الوكيل للعالم الغربي في منطقة الشرق الأوسط، فعند قيام الجمهوري الإسلامية الإيرانية -بتدبير غربي، حسب ما يقوله بعض الكتاب الأمريكيين في أحد كتبه- تم إظهار جمهورية إيران الإسلامية، أمام الخليج والعالم، على أنها غولٌ كبير ومخيف، وأنه يُمثل خطرًا على العروبة، وعلى الإسلام، وعلى المنطقة، وعلى العالم… ليس لشيء، وإنما فقط لحلب البقرة الخليجية الحلوب، لسداد فواتير الأسلحة الغربية، والتي تطول وتزداد، باستمرار مدة الحرب. وهكذا تم الإيعاز للرئيس صدام حسين، وإعطائه الضوء الأخضر للعدوان على إيران، وتم مساندته من جميع العرب، والغرب -عدا سلطنة عمان، والتي التزمت الحياد، وهذه تُحسب لها، لأن سلطنة عمان، ترى ما وراء الأكمة-. وهكذا تم إرسال الأسد العربي صدام حسين، على إخوته في الدولة الجارة إيران، وانتهت الحرب بالصلح بين العراق وإيران، ولم يستفد أحد، من كلا الطرفين. الذي استفاد، هم أصحاب شركات التسليح الغربية، والإدارات الغربية. وبماذا كانت نهاية العراق؟ لقد سقط النظام، وقُتل صدام حسين، وتم احتلال العراق، وانقلبت النعمة على العراقيين إلى نقمة، وتحولت جنة بابل التي كانوا يعيشونها إلى جحيم، ولم يتوقف هذا العذاب حتى الآن.

ولكن، هل تنطبق هذه الصورة على الحرب على اليمن؟

في مقالة سابقة، أشرت إلى أنه – غربيًا- تم تهيئة الأجواء لصعود تنظيم أنصار الله (الحوثيون سابقًا)، في اليمن، والسيطرة على صنعاء في سبتمبر 2014م، وأُضيف هنا، أنه رافق هذا التطور لتنظيم أنصار الله، الدور الإعلامي اليمني (التابع للحكومة اليمنية في عهد الرئيس علي عبدالله صالح، والرئيس عبدربه منصور هادي)، والإعلام الغربي والعربي التابع لها، لإظهار هذا التنظيم، وكأنه عميل لإيران، وتابعٌ له، ويدها في اليمن، وأنهم مجوس، وخطرٌ على العرب والإسلام، وأنه يُهدد مكة والمدينة، وغيرها من الترهات (شبيه بالدور الإعلامي الذي مورس على الجمهورية الإسلامية الإيرانية قُبيل اندلاع الحرب الإيرانية العراقية).

واستمرت اللعبة، وتم الإيعاز لذلك الأسد العربي الملك سلمان بن عبدالعريز،وإعطائه الضوء الأخضر للعدوان على اليمن، وتم مساندته من غالبية العرب والغرب، عدا سلطنة عمان-التي تستمر بالحياد كعادتها في الحروب العبثية-، وأيضًا العراق -والتي تعلمت من درس حربها على إيران-. وبالتالي، تم إرسال الأسد العربي سلمان بن عبدالعزيز، على إخوته في جارته اليمن، والحرب لازالت مستمرة، وستنتهي بالحل السياسي، كما حصل في الشأن العراقي والإيراني. اليمنيون يُقتلون، نساءً ورجالاً، وأطفالاً، ومن عاش، فيعيش في مجاعة، والمستفيد الوحيد هم أصحاب شركات التسليح الغربية، والإدارات الغربية.

ولكن، ماذا ستكون نهاية المملكة العربية السعودية؟ هل سيكون حالها كحال العراق، بعد الحرب العراقية الإيرانية، وغزوها للكويت؟ هل ستنقلب النعمة على السعوديين إلى نقمة، ويتحول النعيم الذي كانوا يعيشونه إلى جحيم؟

الجواب هو: من خلال المؤشرات الأولية، للأوضاع الاقتصادية للسعودية والخليج، ممن شارك في الحرب على اليمن، تدعو للتشاؤم، إذ بدأت الأزمات الاقتصادية، ويُسير دليل المتشائم لعام 2017م -الصادر عن وكالة “بلومبرغ”- إلى ما هو أسوأ من ذلك. هذا بالنسبة للسنن الكونية، في ذوبان الدول، وأما بالنسبة لسنن الغرب، فأكاد أُجزم، بأنهم يومًا ما، في المستقبل، سيقومون بفتح ملفات الجرائمالإنسانية للتحالف العربي ضد اليمن، بما يشمله من قتل للمدنيين، واستخدام للأسلحة المحرمة، وغير ذلك… سيتم فتحه عندما يحين وقت حلب البقرة السعودية والإماراتية، كما فتحوا ملف الهجوم الإرهابي على أبراج التجارة العالمية، بعد حوالي 15 سنة، ليس لشيء، سوى لنهب الأموال العربية، بطريقة قانونية، وهذا ما سيتم بالنسبة للجرائم في اليمن، كما تم بالنسبة لجرائم النظام العراقي ضد الأكراد.

ربما يتبادر سؤال: كيف يُمكن فتح ملف الجرائم الإنسانية على اليمن، وتلك الأسلحة المحرمة، والقنابل، أمريكية أو بريطانية الصنع؟

الجواب بسيط. يُمكن للغرب أن يُبرر الأمر ببساطة، ويقول: نحن لم نبع لكم تلك الأسلحة لضرب المدنيين، وتدمير البنية التحتية، فمسؤوليتنا تنتهي عند تسليمنا لكم تلك الأسلحة لمخازنكم.

وخلاصة القول، أنه يجب قرع جرس الخطر، ولتنتبه السعودية والإمارات، وبقية الدول المشاركة في الحرب على اليمن، بأن التأريخ لا ينس، وأنه يجب التعلم من التأريخ، وما حدث في العراق، ليس منّا ببعيد، وأن الحرب على اليمن، هي حرب عبثية، ستنتهي بالفتك بالإنسان والأرض اليمنية، وقلب الطاولة على شعب وحكومة الخليج، لمستفيد واحد، وهو الغرب.