محمد المحسن: قراءة في رواية “فــي غابة الإنسان” لعامر بشة (نصّ منفتح على الأضداد)

ghabet.jpg444

محمد المحسن

ينحو عامر بشة صوب الإبداع الروائي بجهد غير ملول،محاولا تحطيم المسيرة الأدبية المبتورة،فتعددت إصداراته وتواترت رغم كل العوائق التي تعترض أي كاتب،مما دفعه غالبا إلى نشر أعماله على نفقته الخاصة..

وجاءت الروايات معنونة كالآتي:-البعيد-فيضان الثلوج-البرج..وحورية الوطن-في غابة الإنسان

و-عامر بشة-من الأقلام المتعبة حقا،فهو متمرد على كل سائد،مقوّض لكلّ ساكن،وقد يجد القارئ صعوبة عند متابعة أحداثه وتحديد ماهية تحليلاته،ويفاجئك في منعطفات المتن السردي،ويصدمك في بعض الأحيان بمخالفته لوجهة نظرك ..تلك هي السمة البارزة بالنسبة لي علىالأقل بعد الإطلاع على أغلب كتابات”عامر بشة”وسنحاول من خلال هذه القراءة الإنطباعية أن نبرز أهم مضامينها من خلال رواية”في غابة الإنسان”..

قد يكون من غير الوجيه-حسب قارئ متعجّل-مقاربة هذا النص الروائي-الفاخر-إلاّ أنّ ما يلفت الإنتباه في”في غابة الإنسان”هو الإختلاف والتشظي والإنشغال برسم كون شعري موغل في المجاز والإستعارة،تلك نعدّها سمات بارزة تمثل بعض وجوه ذلك الواقع الروائي الذي أخذ يتّضح.وإنّما نعتقد أنّ هذا الشكل من الكتابة يغترف في”في غابة الإنسان” من السؤال المعرفي حيث الكتابة وجود..

وإذن؟

ثمة النّص إذا،منفتح على الأضداد،مفض إلى مسالك وعرة تتقاطع فيها الأحداث وتتلاقى بتركيب عجيب يلتقط العالم وهو من الجرف على الشفير..

إنّ موقع الكتابة هنا استثنائي بين الغياب السافر والوجود السافر:الغياب يستلب الذات لن يحطّم غفلة التموقع في حيّز الزمان والمكان،ويوقع الفجيعة والبلبلة،أمّا الوجود السافر فأن نواجه الوجود عبر السؤال،وأن نواجه الموتى فما يزال حضورهم يتأرجح كالأقمار ومولد هذا السؤال،يعني أنّ الكتابة أداة وبغية تحترف الحفر في أديم الذات شهوة في كينونة متحولة غارفة مغامرة.وما أعسر أن يهبط الحرف إلى أرض جيولوجية مترسّبة مَحَلَ لونها واندغمت بالظلمات.ولابدّ حينئذ من-حركة حلزونية في الظلام،حركة متلوّنة،حرباء،ولا بدّ من لغة تخترق سجوف الصّمت والفراغ.إنّه ما كان عاناه”مارتن هيدقير”باستقدام النّور إلى عالم الحقيقة،أي بانتزاع الحقيقة عبر اللغة التّي تنشئ الحوار وتضمن أن يكون الإنسان في التاريخ .

استراتيجيا السرد:

لعلّ”فـــي غابة الإنسان”صورة للتشظي التي يصعب معها تمثّل واقع متماسك الأديم يحاكي ماتعرفه خبرتنا بالحياة ويكمن هذا المعني في ما أعطاه الكاتب للتجربة الشخصية من امتدادات في الداخل،متجاوزا بذلك محاكاة المرئي إلى مناجاة المرئي في لغة النفس والذّهن،وإلى إصغاء مرهف إلى رنين تلك الذّات وإشعاعاتها الغامضة والضاربة في كلّ اتجاه.يكاد هذا المعني أن يكون صياغة فنية لما ارتآه الناقد والمبدع جبرا ابراهيم جبرا في بعض نصوصه التي حاور فيها ماجد السا مرائي ،معلنا أنّ “تجارب الشخصية لذيذة وعاتية ملتاعة بشاعرية مذهلة…الطفل يلعب،يجد في لعبه مرآته التي يريد”.

وبذا تحولت استراتيجيا السّرد إلى قصيدة سردية مفتوحة على كل الأنواع:محكومة ببناء شذريّ مرسل،كأرخبيل جعل له مؤلفه عناوين صغرى كما يكون الأمر في الديوان.واعتمد ذلك البناء،على ضوء الذّاكرة وتأجيج المتخيل،على تقطيع مشهديّ بكل أبعاده الحركية والصوتية والضوئية إلى حدّ يتساءل فيه القارئ عن الوحدة النّصيّة وعن الشكل الجمالي المفترض في الرواية مهما تكن حداثتها.إنّنا نجد ساردا رئيسيا وهو في الآن نفسه شخصيّة مشاركة،يبني الرواية نحويا على ضمير المتكلم المخاطب ممّا يوحي ببنية مو نولوجية تذكّرية مؤسسة على صوت واحد ومنغّمة على وتر واحد.هو صوت”أمير”يبتكر حكاية يعلن فيها منذ البداية:”..أنا لا أقبل الهزيمة..أرفض الإستسلام..وأتطلّع دائما إلى الإنتصار..إلاّ أنّ الهزيمة،كثيرا ما تجد إلى واقعي طريقا سهلا،لإقتحامه…(ص15)

وإذ تنساب الرّواية سفرا في الماضي استرجاعا في الطّور الأوّل،فإنّها المتاه في الطّور الثاني وخاصة في رحلة”أمير”إلى أرض نائية يعسر الوصول إليها مختارا طريقا لم يألفها سابل،ويتعمّق المتاه في الفصل الثالث:”تجاوز حدود الاعمار ..سلك دربا أفضى به إلى أرض واسعة..خالية..كثيرة التضارسس..كثيفة الأعشاب

..أخذ يتقدّم فيها..ثم انتبه إلى شكلها..وهو يتوغّل..فلاحظ أنّها محاطة بسياج حديديّ،مشبك..ومتقطع..

وكما هو حال الشخصية المحورية،ذلك حال السّرد مرايا متشظية تصبّ في إيماء الشعر حتى كأنّه لا خيط يشدّ أطراف الحكاية-العجائبية-مثلما لا عقلانية في إقامة”أمير”في مقبرة(ص103)،هو والحكاية أمر واحد :”الآن،أمامك البحر..وخلفك الخلاء..

ولكن..

قد لا أبالغ إذا قلت أنّ الرواية مبنية أساسا على عدد من الثنائيات والمقابلات تمثّل التصارع،فهناك الحب والكراهية،والقبول والرفض،والحلم والواقع والجذب إلى أسفل والتوق إلى المثل العليا والحرية والتماثل والإختلاف.وهذه الماهية الأساسية في جوانب الجذب في الرواية تدفع إلى بنية خاصّة للرواية لعلّها بنية دائريّة أوحلزونية.

فلا نكاد نعيش الأحداث وتقدّمها وتطوّرها حتى نرجع إلى نقطة البداية أو هكذا يخيّل إلينا.فلا حلّ في الأفق،ولا حلّ في الواقع،بل نحن نكتشف،أو نبدأ بالإكتشاف في مطلع الثلث الأخير للرواية،وهي في الحقيقة رواية داخل الرواية تأخذ شكل حوارات بين-السارد-وكوثر..المرأة الساكنة في أقاليم الروح،تلك الأقاليم التي نلجأ ونجنح إليها كلما سحبوا منا تأشيرة العبور إلى أقاليم أرادوها حكرا عليهم والحجة أنّنا لا نحسن قيادة تلك السفن أي سفن تلك الأقاليم..!

على أيّة حال،هنالك مسافات مشطوبة بين الواقع والوهم وبين الحضور والغياب كأنّها توحي بروح الواقعيّة السحريّة،وقد رأت أنّ الجميل هو ما ينفتح،وأنّ التراث الوجداني جدير بالثقة بالنفاذ إلى ما في الواقع من ثروات غير منظورة.وقد يرى بعضهم أوّل الإتكاء على الأسطورة المبتكرة،ليست إلاّ هروبا من جدال الواقع الإجتماعي والتاريخي،ونوعا من الإنكفاء على اغتراب يغلّف بالأسرار والأقنعة وعندئذ فحريّ بالمبدع عندهم أن يهجم على الواقع في معاقله الأولى.

بل انّ البطل الهارب”كما هو الحال مع″أمير”لم يعثر على مبتغاه ولا تطهرّت روحه من أدران الزمن الجائر،وإن غامر وترحّل فقد ظلّ مغتربا يسجع كالكهّان لا هو في طبقة البشر ولا هو من الآلهة وقد يعني ذلك أنّ وحشة البطل هي وحشة النّص ومؤلفه-وليقل النّص إنّه يطلق الحياة دون أن يهدف إلى قول الحقيقة أو مطابقة الواقع الذي يواجهنا وليزعم زعم الشاعر المغربي-محمد الأشعري-في نصّه”مائيات”:”أغمض كينونتي كلّها،لأسمع التدفّق كلّه،عندئذ ألمس فروق فروة النبع البيضاء أولغ ظمأ أصابعي في نعومة صخرها الثّلجي وأترك الوقت كلّه لإختمار عشب الكلام،والآن يوجد شعاع ما في هذا الإنسكاب البديع لعتمة الإستماع″(مواقف ص156عدد/65/1991).

شاعر،ناقد وكاتب صحفي

      -عضو في إتحاد كتاب التونسيين-

*”في غابة الإنسان”

رواية عامر بشة الرابعة-نشرتها مطبعة التسفير الفني-صفاقس-الطبعة الأولى.الثلاثية الرابعة 2005