د. سلمى عراف – بيكر: إلغاء تعديل جونسون: سهم استثماري في حملة انتخابية أم تحدي للعلمانية؟

salma-baker

د. سلمى عراف – بيكر

أثناء الحملة الانتخابية الأخيرة للرئاسة الأمريكية سمعنا الرئيس المنتخب (دونالد ترامب) يذكر

 في مناسبات مختلفة “تعديل جونسون” ونيته في إلغائه حالما يتسلم منصبه بشكل رسمي. كثرت التساؤلات عن هذا التعديل وماهيته، وبدأ النبش في بنك المعلومات والرجوع إلى الوثائق التاريخية والسياسية، علّ هناك ما يوضح غرض (ترامب) وحزبه الجمهوري من وراء إثارة هذه المسألة. وكما هو الحال في الحملات الانتخابية، فقد حاول المرشح الجمهوري أن يرفع أسهم حملته من خلال طرح برنامج لغته ليست فقط الحاجة إلى التجديد بل إلى طرح أجندة واعدة باستعادة كرامة المواطن الأمريكي ومركزه. فها هي أقواله تتميز بإعادة الصبغة القومية للخطاب السياسي من أجل كسب الرأي العام الأمريكي، وها نحن نراه يشدد على احترام وحماية حقوق الشعب والتي هي من أهم المبادئ الأساسية في الديمقراطية الأمريكية، ومنها حرية التعبير.

 ووجه الرئيس المنتخب الأنظار إلى مسألة “تعديل جونسون” ليؤمّن من خلال إلغائه لهذا التعديل حق الكنائس والمنظمات غير الربحية بالتعبير عن رأيها في الأمور السياسية كسائر المؤسسات الأخرى. ولا شك أن مثل هذه المبادرة قد تفتح الباب للمؤسسات الدينية للإدلاء بالرأي بمسائل سياسية والتعبير عن موقفها حيال أمور مختلفة، كمسألة الإجهاض، الزواج المثلي، أو تغيير الهوية الجنسية، والتي أخذت تحتل حديثا حيزا هاما في سلم أوليات الحقوق المدنية لدى مناصري التوجه الليبيرالي.

ولكن ما هو بالضبط تعديل جونسون؟

اقترح التعديل، آنذاك، السيناتور الديموقراطي ليندون جونسون (من ولاية تكساس) وأقره الكونغرس عام 1954، ويحظر هذا القانون على المنظمات المعفية من الضرائب، بما في ذلك الكنائس والمنظمات غير الربحية، الضغط على المسؤولين المنتخبين، القيام بحملات انتخابية باسم أي حزب سياسي، ودعم أو معارضة المرشحين للمناصب.  المادة 501 (ج) (3) من قانون الضرائب يمنح الإعفاء الضريبي للمنظمات غير الربحية طالما أنها لا تقوم “بالمشاركة، أو التدخل في (بما في ذلك نشر أو توزيع البيانات)، أي حملة سياسية نيابة عن (أو في المعارضة ل) أي مرشح لمنصب الرئاسة.” تجدر الإشارة بأنه تم إضافة البند “في المعارضة” للنص عام .1986

في السنوات الأخيرة حاول ما يسمى “تحالف الدفاع عن الحرية” الطعن في التعديل من خلال مبادرة أطلق عليها “مبادرة حرية المنبر” والتي تحث قساوسة الكنيسة على مخالفة التشريع المقترح عن طريق الاحتجاج. ويؤكد التحالف ان التعديل ينتهك حقوق التعديل الأول في المواد الدستورية. الجماعات الضالعة في تعزيز الانتخابات او هزيمة المرشحين السياسيين يمكنها أن تتلقى الإعفاء الضريبي ضمن ادراجها تحت فئات أخرى في قانون الضرائب. الفائدة التي يحصل عليها كل تنظيم في وضع501 (ج) (3) هو ليس فقط كونه معفى من الضرائب فحسب، بل أنها تمكن الجهات المانحة من الحصول على خصم ضريبي عن مساهمتها له.

واليوم يتم تطبيق تعديل جونسون بأكثر دقة على الكنائس والمنظمات الدينية، بحيث تمنع رعاياها من إظهار أو توجيه أي رسالة سياسية عن طريق أي فعالية يقيمونها ضمن إطار النشاطات الكنسية. فمثلا تمنع طائفة معمدانية جنوبية تعارض الإجهاض من دعم صريح لجمهوري مرشح للكونغرس يعارض الإجهاض، فقط بسبب وضع الكنيسة كمؤسسة غير ربحية.

وبحسب (سكوت ولتر) رئيس مركز أبحاث رأس المال، “فإن دائرة الإيرادات الداخلية (آي آر إس) تمارس، من خلال تعديل جونسون، السلطة لخنق حق المنظمة الدينية في حرية التعبير.” ففي الواقع، “يمكن تكميم فم أي قس إنجيلي، حاخام أرثوذكسي، إمام مسلم، أو كاهن كاثوليكي يرغب في الحث على دعم مشروع قانون الحرية الدينية أو معارضة وسائل منع الحمل الذي يجيزه برنامج أوباما الصحي، بموجب القانون الاتحادي.”

إن “الطبيعة القمعية”، على حد تعبير (ولتر)، التي يتصف بها تعديل جونسون تعود بأصولها إلى الخمسينيات من القرن العشرين – وهي الفترة التي عادة ما يدينها اليسار على أنها “موالية للسلطة” والرئيس جونسون- الذي انتقد “لأخلاقه السياسية المتدنية”- ومعادية لحرية التعبير.

في الترشح لإعادة انتخابه في عام 1954، آنذاك سيناتور، واجه جونسون تحديا صعبا من منافسه الرئيس عن الحزب الديموقراطي دادلي دوورتي، الذي حصل على دعم من مجموعتين محافظتين غير ربحية من ولاية تكساس، واللتان قامتا بتوزيع مناشير تنادي من أجل انتخاب دوورتي، الأمر الذي أثار استياء جونسون. بعد ذلك بوقت قصير، قام جونسون بحث الكونغرس على تولي التغيير المقترح في قانون الضرائب الأمريكي الذي من شأنه أن يمنع المجموعات الخارجية، مثل تلك التي دعمت دوورتي، من التنظيم السياسي. ما كان يهدف إلى “معاقبة” أعداء السيناتور جونسون، يطبق الأن على مجموعة واسعة من المنظمات غير الربحية، بما في ذلك الكنائس.

ومن المفارقات، فإن قيود مصلحة الضرائب تطبق على المنظمات الدينية، ولكن ليس على مجموعات خارجية ناشطة سياسيا، مثل النقابات العمالية، التي مولت الحزب الديمقراطي منذ فترة طويلة.  قد يجادل البعض أن الفرق الرئيسي يكمن في وضع الكنيسة من حيث الإعفاء الضريبي. ولكن بالمقابل نرى أن النقابات العمالية أيضا مدعومة من الحكومة- فرسوم العضوية قابلة للخصم وكأنها بمثابة مصروف موظف، وتتمتع النقابات بالعديد من الامتيازات القانونية الأخرى، “مما يصل إلى إعفاءات من قوانين ضد العنف والابتزاز″.

وكما جاء على لسان جيه سيكولو، كبير مستشاري المركز الأمريكي للقانون والعدالة، فإن تعديل جونسون “يمنع الزعماء الدينيين من ممارسة حقوقهم في حرية التعبير التي يحميها الدستور عندما يتصرفون بصفتهم الرسمية كقس أو رئيس منظمة دينية معفاة من الضرائب،” وأنه “حوّل وكلاء مصلحة الضرائب إلى قوة شرطة تقيد حرية التعبير.”

إن إلغاء تعديل جونسون قد يدعم حقوق التعبير ويحمي الكنائس الأمريكية من “حكومة فدرالية قد تكون غير عادلة يوما ما”. وفي نظام ديمقراطي مثل النظام الأمريكي، يتوقع المرء ضمان حرية التعبير للجميع دون استثناء.

فهل يمكن القول أن مثل هذه المبادرة، إذا تم تطبيقها فعلا، قد تمثل شكلا من أنواع التحدي للعلمانية التي طالما اكتسحت الرأي العام في ضرورة فصل الدين عن الدولة، علما أن العلمانية بصورتها اليوم تطورت وتشعبت لتتخذ مظاهر مختلفة لصورتها الأصلية لتصبح علمانية ليبيرالية مفرطة. قد يكون من المبكر الإجابة على هذا السؤال الآن حتى تتضح سياسة (ترامب) وحزبه فيما يتعلق بمدى فسح المجال لتفاعل العنصر الديني مع السياسي، رغم أن ثمة مؤشرات قوية تدل على تراجع التوجه المحافظ الاجتماعي لدى الجمهوريين خلال السنوات الماضية.

الولايات المتحدة