خطاب مباشر من عاهل الأردن لمدير الأمن الجديد يحدد له مسؤولياته بدقّة..والإرهاب يفرض إيقاعه على مختلف أجهزة الدولة.. سرّ “تعميم” أصدره الجنرال السعودي يحظر تبادل المعلومات مع جهاز حساس.. والشارع يفقد قدرته على “التفاؤل” بالأشخاص..

555555444444444444444444444444

عمان- رأي اليوم- فرح مرقه

أطاح عاهل الأردن الملك عبد الله الثاني بمدير الأمن العام اللواء عاطف السعودي بصورة واضحة ومباشرة، كأول شخصية تتحمل نتيجة الأخطاء الأمنية في أحداث محافظة الكرك، إذ خسر جهاز الأمن العام مجموعة من رجاله وبصورة مؤثرة.

الإطاحة بالرجل تحديدا وإرسال رسالة مباشرة لخلفه، يرسل عبرها عاهل الأردن رسالة “تحمّل مسؤوليات” من قبله شخصيا بالدرجة الأولى، الأمر الذي بدا كضوء أخضر لبقية المؤسسات لتطيح بالمقصّرين لديها، وهنا قد لا تنحصر الاجابة على رئيس الوزراء الدكتور هاني الملقي للاطاحة أيضا ببعض المقصرين من الوزراء، بل وقد تشمل مؤسسات أخرى، وفق ما يترقبه الشارع المحلي في الاردن، وما يتم استشعاره من المناخ العام.

الرسالة الأخرى، جاءت بتحميل أول المسؤولين عن ظهور الدولة بهيبة منقوصة في أحداث الكرك المسؤولية كاملة، وهو السبب الذي أدى لإقالة الرجل (السعودي) دون ترفيعه لرتبة فريق، التي حازها على الاقل كل سلفه قبيل احالتهم على التقاعد.

أسباب مختلفة إضافية يزيدها الخبراء على فترة تولي السعودي للجهاز المذكور، والتي من ضمنها ما تردد في كواليس الأجهزة الأمنية عن كون الاخير قد اصدر تعميما سرّيّاً مؤخرا يحظر فيه “تبادل المعلومات” مع جهاز أمني مهم وسيادي، إلا عبره شخصيا، ما يفسر كل التفصيلات في خطاب الملك عن سوء التنسيق.

وأبدى عاهل الأردن امتعاضه من سوء التنسيق بين المؤسسات الأمنية الأمر الذي ظهر في رسالته لمدير الأمن العام الجديد اللواء الركن أحمد سرحان الفقيه، رغم كون السعودي ذاته جاء للمؤسسة بعد الإطاحة بثلاثة من أقوى رجال الدولة في حينه وهم وزير الداخلية الجنرال حسين المجالي ومديرا الامن العام والدرك، تحت عنوان “ضعف التنسيق” أيضا.

وانتقد حتى المواطنين جهاز الامن العام، في ارساله لرجلي أمن فقط الى منطقة القطرانة بعد بلاغ عن فوحان رائحة بارود بمنطقة على الشارع العام غير معروف قاطنوها، الأمر الذي ادى الى استشهاد احدهما ونجاة الاخر قبل ان يفر الارهابيون الى القلعة التاريخية قاطعين مسافة 50 كم دون ان يتم اعتراضهم، ويتحصنوا بالقلعة وبدأوا بإطلاق النار ما أسفر عن سقوط شهداء من مرتبات الأجهزة الأمنية بالإضافة الى مدنيين.

وأظهرت حادثة قريفلا التي وقعت بعد يومين من احداث القلعة أيضا أن اخذ الامور على محمل الجد واتخاذ كل وسائل الحيطة لم يكن واردا، فالتعامل الأمني لم يكن على أكمل وجه، ولم يكن بالحرفية الأمنية المطلوبة، حيث رافق رجلا أمن احد المطلوبين الى منزله حيث استطاع الفرار ومن ثم اطلاق النار على الأمن واسقاط أربعة شهداء قبل ان يتم تصفيته والقاء القبض على اخر.

وعلقت حوادث الكرك الجرس فيما يتعلق عمليا بمدى جاهزية الأمن العام في مواجهة مثل هذه المواقف، ولماذا لم يتم ارسال قوة كبيرة بعد بلاغ عن رائحة البارود وإنهاء المهمة في القطرانة، ولماذا لم يتم التعامل مع تاجر الاسلحة بجدية أكثر وارسال قوة امنية لتفتيش منزله حيث ان الامر في قريفلا لا يتطلب التفكير بإرسال قوة امنية أكبر خاصة ان التاجر تم جلبه بعد حادثة القلعة.

وأبدى السعودي احترامه لزملائه في العمل، في رسالة وداعية نشرها ليل الثلاثاء، إلا أنه لم يتطرق لأي أسباب أو تفاصيل متعلقة بالإقالة.

ولفت خطاب الملك عبد الله الثاني لمدير الامن الجديد الأنظار، كون الأول أقحم الأمن عام في الشؤون الأقليمية والمختصة بقضايا الإرهاب، الأمر الذي بدا كدعوة لجهاز الأمن للتعلم من الأخطاء الأمنية التي وقعت فيما عرف بأحداث الكرك، والتي راح ضحيتها عدد من أبناء الجهاز.

وجاء في رسالة الملك للمدير الجديد الجنرال أحمد الفقيه: “إن ما يمر به بلدنا وما تمر به المنطقة من تحديات، تفرض علينا جميعا اتخاذ الاحتياطات والاستعدادات الضرورية، وهذا يتطلب اليقظة والحذر ورفع مستوى الاتصال بين جميع أركان المنظومة الأمنية، لترسيخ التعاون الوثيق والتنسيق الكامل على مختلف المستويات، لضمان نجاح العمليات الأمنية على أكمل وجه.”

وتظهر الفقرة المذكورة أن التقييمات الداخلية للحدث أشّرت بوضوح على مشكلتي سوء التنسيق، وعدم التعامل بجدّية مع الحوادث التي حصلت من حيث أخذ الحيطة والحذر، وهو الأمر الذي أشارت إليه مختلف التقييمات الأمنية أثناء ما حصل في الكرك، منذ ذهاب قوة من الأمن للكشف على منزل فاحت منه رائحة البارود، وصولا لوقوع القوة الامنية الثانية في كمين تجار السلاح، ومرورا بالاشتباكات الطويلة في قلعة الكرك الأثرية.

وليس من المتعارف عليه أن يذكر عاهل الاردن الامن العام (الشرطة المحلية) بالتحديات المتعلقة بالارهاب والمناطق المجاورة، إلا ان احداث الكرك على ما يبدو ستفرض ايقاعها على الايام المقبلة.

وأضاف الملك” ولا بد من مراجعة جميع الاستراتيجيات والخطط الأمنية وتطويرها، خاصة في ظل هذه الأوقات الصعبة، والتي تهدف إلى وضع حد للاعتداء على القانون والحفاظ على هيبة الدولة ومكافحة الجريمة بجميع أشكالها والوقاية منها، وعلى رأسها آفة وجريمة المخدرات.”

وأضافت الرسالة: إن جهاز الأمن العام هو خط الدفاع الأول عن المواطن ويحمل رسالة سامية، تتجلى في خدمة الشعب وصون مكتسبات الوطن، كما يرسخ مفهوم سيادة القانون في ظل الدولة المدنية القائمة على مبادئ المساواة والعدالة والكرامة وحماية الحقوق والحريات، مبينة أنه بات من الضروري التأكيد على محورية دور رجل الأمن العام في بناء دولة القانون بغية توفير أقصى درجات الأمن والطمأنينة في البلاد.

وأوضح عاهل المملكة ان إنجاز ما سبق “لا يمكن أن يتأتى إلا عبر الاحترام المتبادل، بين رجل الأمن العام والمواطن، والحرص على حماية الحقوق وصون المنجزات، وتأدية المهام والمسؤوليات باحترافية ومهنية عالية، تستند إلى أعلى معايير الانضباط والنزاهة والشفافية.”

حديث عاهل الاردن لمدير الأمن الجديد، والذي اظهرت سيرته الذاتية خلفيته العسكرية والاستخبارية، عن الاولويات لم يقتصر على مهام الجهاز ومرتباته، فقد لفت في رسالة أرسلها له إبان تسلّم الأخير منصبه خلفاً للواء عاطف السعودي، إلى ضرورة أن يتم تدريب مرتبات الأمن العام جميعاً، بالإضافة لتحسين المراكز الأمنية، معتبرا أنها “يجب أن تكون نموذجية وحضارية تعكس الصورة المشرقة لوطننا الغالي. كما يجب إيلاء مرتبات جهاز الأمن العام وظروفهم المعيشية الاهتمام الكافي ليتمكنوا من القيام بواجباتهم بالشكل المناسب.”

بكل الأحوال، لم يعد سهلاً على الشارع الأردني التفاؤل بالأشخاص، رغم السيرة الذاتية الكبيرة والخبيرة للرجل الجديد، ورغم ارسال عاهل المملكة له “الوصفة الكاملة” للارتقاء بجهاز الامن العام، كما أن الأحداث الاخيرة بالتأكيد ستجعل المرتبات نفسها تتعامل بحذر، لكن النفس العام يمكن تلمسه بأنه لا مجال لرفع سقف التوقعات من الاشخاص، وهنا حصرا السبب واضح: “تراكم الخيبات”.