محمد المحسن: عودة الإرهابيين التونسيين من بؤر التوتّر: بين سندان القوانين والتشريعات التونسية.. ومطرقة الرفض الشعبي العارم

mohamad-almouhsin.jpg66

محمد المحسن

تشهد تونس جدلاً واسعاً هذه الأيام سببه الحديث عن إمكانية عودة الإرهابيين من حملة الجنسية التونسية من بؤر التوتّر.ولعل السبب في إثارة هذا الجدل هو القناعة التي باتت راسخة لدى عموم التونسيين بأن الحرب في سوريا ستحسم قريبا لصالح الدولة السورية ضد قوى التكفير،الظلم والظلام.

وانقسم التونسيون بين رافض قطعيا لعودة هؤلاء،داعيا النظام السوري إلى إبادتهم عن بكرة أبيهم،وبين داع لعودتهم ومحاسبتهم بمقتضى قانون الإرهاب بإعتبار أن الدستور التونسي يحجّر منع أي مواطن من العودة إلى بلده مهما بلغت درجة جرمه..

في هذا السياق تحديدا،نشير إلى أنّ رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي رفض مقترح بعض الأحزاب حول سحب الجنسية من التونسيين العائدين من بؤر التوتّر،مبررا أنّ هكذا قرار يتعارض مع الدستور التونسي والإتفاقيات الدولية،وأنّ الحل الوحيد لإعتماد مسألة سحب الجنسية هو تنقيح البنود ذات الصلة بموضوع الجنسية في الدستور التونسي.

إنّ معالجة قضية عودة الإرهابيين التونسيين من بؤر التوتّر بشكل قانوني لن تجلب-السعادة-إلى قلوب التونسيين التي طفحت بالسخط على هؤلاء الإرهابيين جراء جرائمهم التي تتعارض مع الشرائع الدينية والتشريعات القانونية.هؤلاء الإرهابيون حولوا تونس إلى مدافن ومداخن عبر الإغتيالات السياسية وقطع الرؤوس،إلى جانب عملياتهم الوحشية التي ألحقت أضرارا جسيمة بالإقتصاد التونسي،وجمدت الإستثمار الخارجي،وأدت بالبلاد إلى أزمة اقتصادية مالية حادة.

وفي خضم تصاعد الجدل الحاد بين الرافض لعودة الإرهابيين التونسيين،والمطالب بضرورة “استقبالهم”وتأهيلهم داخل مراكز للإصلاح والإدماج،تعالت من جديد الإتهامات بين الأطراف السياسية في تونس حول المرجعية الفكرية المعتمدة لإلتحاق-شباب تونس-بالقتال في مناطق الحروب في المشرق (سوريا،العراق،ليبيا..) وتعددت الأسئلة عن تساهل حكومة الترويكا السابقة في التعامل مع دعواتهم وأفكارهم المتطرفة وأعمالهم الإجرامية المتوحشة، في سنوات النشأة والتشكل والنشاط العلني.اتهامات قد تصل حد التصادم بعد إصدار حزبي حركة مشروع تونس،والإتحاد الوطني الحر بياناً مشتركاً شديد اللهجة أكّدا خلاله ضرورة تخلي كل تونسي أعلن البيعة لتنظيم داعش الإرهابي عن جنسيته.

وكان رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي قد أعلن من باريس في زيارته الأخيرة إلى فرنسا،بأن تونس ليس لديها السجون الكافية لإيداع العائدين.ورأى البعض في هذه التصريحات دعوة للفرنسيين للمساهمة في بناء السجون خاصة وأنه لا يخفى على عاقل أن باريس هي من الدول الداعمة للإرهاب والمتورطة في زعزعة استقرار سوريا وليبيا ..

من جهته اعتبر رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي أنه لا مفر من عودة الإرهابيين وساق في هذا الإطار مثلا شعبيا مفاده -أن اللحم إذا فسد فإن أهله هم الأولى به-.وأعتبر كثير من التونسيين أن تصريحات الغنوشي غير مسؤولة رغم أنه دعا إلى محاسبة العائدين وعرضهم على القضاء.

ويخشى رافضو للعودة من تعرض البلاد إلى اضطرابات أمنية على غرار ما حصل في الجارة الجزائرية في العشرية السوداء لعقد تسعينات القرن العشرين. فالإرهابيون المفترض عودتهم هم من أخطر العناصر التي خبرت القتال وإرقة الدم،وأرهقت جيوشا عربية كبرى خدمة لأجندات صهيونية وأطلسية بعلم أو من دون علم.

وبالرغم من كل البيانات الرسمية والبلاغات الإعلامية النافية لأخبار عودة عدد من الإرهابيين، بدأ البعض من ناشطي المجتمع المدني بالدعوات لتحريك الشعب الرافض،والنزول إلى الشارع والساحات العمومية لتنظيم وقفات احتجاجية ومسيرات منددة بإمكانية إصدار قانون يسمح للإرهابيين بالعودة،وسط تضارب كبير في المعلومات الرسمية وغير الرسمية،ما قد يذهب بالمجتمع التونسي-لا قدَّر الله-إلى حد الفتنة والصراع والعنف.

وهنا أقول:لا يمكن معالجة ظاهرة عودة الإرهابيين من بؤر التوتر دون تعاون فعلي مع الدول التي يوجد بها هؤلاء الإرهابيين،فهذا التعاون يجب أن يكون رسميا،من خلال بناء علاقات دبلوماسية مع هذه الدول وبخاصة سوريا،إضافة إلى ضرورة إيجاد تعاون أمني مع الدول التي تعاني بدورها من آفة الإرهاب.أما الحكومة التونسية فعليها أن تتحمَّلَ مسؤوليتها وتضع إطارا تشريعيا مناسبا،إذ أنه من الطبيعي أن يكون لتونس قنوات لعلاقات رسمية مع الدول التي يوجد بها إرهابيون تونسيون،حتى تكون قادرة على التعاون على المستوى الأمني.فنجاعة الإستراتيجية الوطنية ترتبط كثيرا بنوعية العلاقة مع هذه الدول..

وهنا أضيف:لا يمكن مقاومة هذا التهديد عبر اتخاذ قرارات وليدة اللحظة خلال الأزمات أو إجراءات وقتية حسب تطور الأحداث،بل من خلال وضع استراتيجية متعددة الأبعاد قصد معالجة هذه المسألة بصفة شاملة،إذ لا يمكن التعاطي مع هذه الظاهرة بعقلية التراخي أو التفّهم أو بصفة إنسانية،وإنما عبر الإستعداد بكل حزم،حتى تكون عودة الارهابيين،التي لا مفر منها، منظمة بما من شأنه أن يضمن الأمن الوطني.

وبالنظر إلى تعقد مسألة مراجعة الدستور أو الإطار التشريعي واستحالة منع الإٍرهابيين التونسيين من العودة إلى تونس،فإن الدولة مطالبة-كما أسلفت-بإيجاد إطار مناسب لمعالجة هذا الملف،ففي حال عودة هؤلاء،لابد من أن تتممعاملتهم كمجرمين وإرهابيين وتطبق عليهم أحكام قانون مكافحة الإرهاب التونسي.

أما النخب السياسية والنخب المثقفة،من المفروض تستشعر حاجة المواطن وحاجة عامة الناس للطمأنة كلما واجهت البلاد تحديات كبيرة وإن كان من الطبيعي أن  تثير عودة أشخاص مارسوا القتل والتعذيب والتنكيل عن قناعة  لإيديولوجيا يحملونها أو لمصلحة مادية،الخوف لدى عامة الناس لأن عامة الناس لا تملك أجوبة حول الأسئلة المتعلقة بهذه العودة المحتلمة وحول التأثيرات الممكنة على حياتهم وعلى أمنهم، فإنه من غير الطبيعي أن تساهم النخب السياسية  في تأجيج هذا الخوف عن قصد وعن سابق إصرار

وهنا أختم:إنّ ملف عودة الإرهابيين التونسيين من بؤر التوتّر شائك وحارق،الأمر الذي يدعونا إلى حوار وطني جدي ومستفيض يغلّب العقل على النقل،ويرتكز بالتالي على الحجج والبراهين،وذلك بمنآى عن التراشق بالتهم والإيغال في المزايدات السياسية،يحدونا أمل أن لا يتسبّب-هذا الإشكال العالق-في تغليب الفتق على الرتق..

كاتب صحفي وعضو في إتحاد الكتّاب التونسيين-