الاردن يحذر من “الحزام البري الإيراني” بعد ست أعوام تقريبا من مقولة “الهلال الشيعي”.. الأول تحقق.. فهل يتحقق الثاني أيضا؟ ومتى.. وكيف؟ وما هي المعلومات التي دفعت رئيس اركان جيشه لإطلاق تحذيراته المفاجئة؟

 king jordan nnn.jpg666

يتمتع بعض المسؤولين الأردنيين الكبار بقدرات متميزة في “نحت” المصطلحات السياسية والأمنية التي تعكس مستقبل الأوضاع في المنطقة العربية، وليس حاضرها فقط، مما يحدد رؤية اكثر دقة، وقراءة اكثر تعمقا لتطورات الاحداث في الجوار الأردني، وفي سورية والعراق خاصة، ولكن هذا لا يعني ان الأردن في مأمن من هذه التطورات، ومحصن من اخطارها.

بعد اطلاق العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني مقولته الشهيرة قبل ما يقرب الست السنوات، التي تنبا فيها من ظهور “الهلال الشيعي”، وحذر منه واخطاره، ها هو رئيس هيئة اركان الجيش الأردني الفريق ركن محمود فريحات يطلق تحذيرا جديدا من “الحزام الإيراني” الذي يمكن ان يكون “جسر وصل” بين ايران ولبنان عبر العراق وسورية.

تحذيرات الجنرال الأردني هذه تأتي بعد أيام معدودة من احداث الكرك التي تمثلت في هجوم شنته خلية تابعة لـ”الدولة الإسلامية” في المدينة الجنوبية، واقتحمت قلعتها، وقتلت سبعة من رجال الامن الى جانب سائحة اجنبية بعد اشتباكات ومطاردات دموية استمرت حوالي ثلاثة أيام، واللافت ان “الدولة الإسلامية” هي التي أعلنت مسؤوليتها عن هذه الهجمات، واربع أخرى في العام الماضي، وليس أي جهة أخرى.

خروج الجنرال الأردني الى وسائل الاعلام، والظهور على شاشة قناة الـ “بي بي سي” خاصة، ليس من الأمور المألوفة في الاردن، كما انه لا يمكن ان يكون مبادرة فردية، ونرجح ان “المؤسسة” الأردنية الحاكمة هي من اعطى الضوء الأخضر لمثل هذه “السابقة” العسكرية الأردنية لايصال رسالة مزدوجة، الشق الأول منها متعلق بالشأن الداخلي ومحاولة طمأنة المواطنين على قدرة جيشهم واجهزتهم الأمنية على حفظ الاستقرار في بلد محاط بحروب ملتهبة، والشق الثاني الى العالم الخارجي، تقول مفرداته ان الأردن ما زال يقف بقوة في المعسكر العربي “السني”، والخليجي بالذات، ويعتبر ايران الخطر الأكبر على المنطقة، وهذا ما يفسر قلق الجنرال من محاولة اقتحام الحشد الشعبي العراقي مدينة تلعفر العراقية ذات الغالبية السنية التركمانية، وتهديده، أي الحشد، الذي يضم اغلبية شيعية، بالتقدم لمحاربة “الدولة الإسلامية” في سورية بعد “تحرير” مدينة الموصل.

من الصعب علينا إعطاء راي إيجابي او سلبي في هذه الصحيفة “راي اليوم” حول هذه الخطوة الأردنية وتبعاتها، لأننا لا نملك المعلومات التي يملكها الفريق ركن فريحات، ودفعته الى اصدار التحذيرات، آنفة الذكر، ولكن نعتقد انه من الحكمة ان يبتعد الأردن عن أي مواقف يمكن ان تنعكس بشكل سلبي على امنه واستقراره، خاصة في ظل حدوث تغييرات جذرية في موازين القوى في المنطقة دفعت دولة إقليمية عظمى مثل تركيا الى إعادة تموضعها، واجراء مراجعات جذرية لسياساتها، ومواقفها، في الازمة السورية تحديدا.

الأردن كان دائما، وما زال، واحة، ونموذجا، للتعايش بين مختلف الطوائف والاعراق، وصمد في مواجهة انواء وعواصف عديدة حتى الآن، ودفع ثمنا غاليا بسبب عدم “تطرفه” في التورط في الملف السوري نتيجة ضغوط إقليمية وامريكية تستغل أوضاعه الاقتصادية الصعبة، وديونه الخارجية المتضخمة (36 مليار دولار) لابتزازه، ونأى بنفسه أيضا عن المشاركة بقوات عسكرية خاصة في حرب اليمن، لادراك قيادته انها حرب خاسرة مسبقا، وأثبتت الأيام صحة توقعاتها، ولكن من الواضح ان التصريحات الأخيرة حول “الحزام الإيراني” كانت مفاجئة للكثيرين داخل الأردن وخارجه، وتشكل مبعث قلق، وربما يرى البعض انها جاءت في الوقت الخطأ.

فاذا كانت هذه التصريحات تصب في خانة إرضاء الجار السعودي، الذي بات يرى الصداقة او العداء من منظور طبيعة علاقة جيرانه مع ايران، والأردن بالذات، وهذا وارد وغير مستبعد، فإننا نشك بأنها ستعطي ثمارها، لان السعودية التي تواجه أزمات اقتصادية وحرب استنزاف في اليمن، ماليا وعسكريا وسياسيا، مرشحة ان تطول، دفعتها الى فرض التقشف على مواطنيها، لم تعد السعودية التي نعرفها سابقا، ودليلنا ان العام الحالي قد انتهى دون ان نسمع أي تجديد للمنحة الخليجية الخمسية ومقدارها مليار دولار سنويا، رغم كل ما قدمه الأردن من خدمات امنية وعسكرية وسياسية.

نعيد تذكير الاشقاء في الأردن بالمثل الشعبي الذي يقول “لو بدها تشتي لغيمت”.. والباقي نتركه لفهمكم.

“راي اليوم”