هجوم على ناد ليلي في قلب إسطنبول ليلة رأس السنة ماذا يعني لتركيا والرئيس اردوغان؟ وما هي دلالاته السياسية والدينية؟ وما هي الأهداف التي ارادت الجهة المنفذة تحقيقها؟ وما علاقته بسورية وتطوراتها؟

atwan ok

عبد الباري عطوان

هدية “بابا نويل” الإرهابي المزور الذي اقتحم ناديا ليليا في إسطنبول ليلة راس السنة الميلادية كانت دموية، وازهقت أرواح اربعين محتفلا، واصابت اكثر من سبعين منهم، ومن بين الضحايا سبعة سعوديين، وثلاثة أردنيين وتونسيان ولبنانيان.

خطورة هذا الهجوم تأتي من امرين أساسيين: الأول انه جاء بعد ثلاثة أسابيع من هجوم آخر في العاصمة انقرة اسفر عن مقتل 45 شخصا معظمهم من رجال الشرطة، والثاني ان منفذه ما زال فارا من العدالة، وجاري البحث عنه، من قبل رجال الشرطة، مما يؤكد ان عمليته كانت مدبرة بعناية، ولم تكن انتحارية، وجرى التخطيط لها بشكل محكم، لإحداث اكبر قدر ممكن من الضرر، مما يوحي انه ليس عملا فرديا، وان تنظيما كبيرا يقف خلفه.

تفجير انقرة السابق تبنته منظمة كردية متطرفة يعتقد انها تابعة لحزب العمال الكردستاني، لكن لم تعلن أي منظمة مسؤوليتها عن الوقوف خلف المهاجم الذي اقتحم النادي الليلي حتى كتابة هذه السطور.

***

أصابع الاتهام توجه الى جهتين، الأولى هي التنظيمات الكردية المتطرفة، سواء كانت من أصول سورية او تركية، والثانية هي “الدولة الإسلامية” التي تخوض تركيا حربا شرسة ضدها لاخراجها من مدنية “الباب” بعد نجاحها من انهاء وجودها في مدينة جرابلس في الشمال السوري، وتكبدت خسائر عسكرية ضخمة بسبب المقاومة الشرسة.

بعض شهود العيان قالوا ان المهاجم كان يتحدث اللغة العربية، للايحاء بأنه قد ينتمي الى “الدولة الإسلامية” ولكن جرت العادة ان تعلن هذه “الدولة” فورا وبعد ساعات من وقوع الهجمات عن مسؤوليتها عنها في حال تنفيذها من قبل عناصر تابعة لها، او بايعتها، مثلما حدث في تفجيرات باريس وعمليتي الدهس في نيس (فرنسا) في الصيف الماضي، وسوق أعياد الميلاد في برلين قبل اسبوع، وقبلهما تفجيرات باريس وبروكسل.

اختيار ملهى ليلي، وبعد ساعة من دخول العام الجديد، له دلالات إسلامية “محرجة” للرئيس اردوغان، وحزب العدالة والتنمية الإسلامية الذي يتزعمه، خاصة انه يقدم نفسه كعثماني جديد، يريد إعادة احياء دولة الخلافة من خلال دعمه لأحزاب سلفية إسلامية سنية، وربما وضعت الجهة المهاجمة هذه الحقيقة في اعتبارها، واختارت التوقيت والمكان الملائمين، لتأليب بعض الإسلاميين او كلهم على الرئيس التركي وحزبه، خاصة في ظل خيبة الامل التي تسود أوساط المعارضين السوريين، والسفليين منهم خاصة، بسبب عدم تدخله لمنع استعادة الجيش السوري لحلب الشرقية.

اخطر ما في هذه الهجمات التي تتناسخ بشكل سريع في العمق التركي، وتركز على العاصمتين إسطنبول (التاريخية)، وانقرة (السياسية)، وتختار أهدافها بعناية كونها تستهدف تدمير هيبة الدولة التركية، وزعزعة استقرارها، وهز صورة النظام الحاكم، ومفاقمة اضرار الازمة الاقتصادية المتنامية، ونشر الفوضى الدموية في البلاد، وتكريس الانطباع القائل بأن تركيا لم تعد بلدا آمنا.

اللافت ان نقل مخطط الفوضى الدموية هذه الى تركيا، الذي يتشابه من قريب او بعيد مع شبيهه السوري، يأتي في وقت تتزايد الآمال في إيجاد حلول سياسية للازمة السورية بعد حسم الأمور في حلب، لصالح المحور الروسي الإيراني السوري، وبعد انضمام تركيا المفاجيء اليه، وهو الانضمام الذي قلب كل المعادلات الإقليمية والدولية.

ربما من السابق لأوانه القول ان هذا التحول في الموقف التركي جاء متأخرا، لان الحكومة التركية لعبت دورا رئيسيا في دعم ومساندة المعارضة المسلحة في سورية، وشقها الإسلامي المتشدد ومنظماته المدرجة أمريكيا وروسيا على قائمة الإرهاب، على مدى السنوات الست الماضية، وهذه حقيقة لا تحتاج الى اثبات، ولكن ما نعرفه، او بالأحرى نستنتجه، من تطورات الاحداث المتسارعة، ان تركيا تنجرف نحو مستنقع الإرهاب الدموي، بسبب سياساتها ومواقفها المرتبكة، وضياع بوصلة قيادتها، وخلق اكبر عدد من الأعداء في تاريخها وخاصة في دول الحوار.

***

اذا تأكدت مسؤولية “الدولة الإسلامية” عن هذا الاعتداء فهذا يعني انها بدأت تتبنى الخطة “ب”، أي الانتقال من مرحلة “التمترس″ و”التمكين” الى مرحلة الهجمات الارهابية الانتقامية من خصومها، ولهذا يجب اخذ تهديداتها بإقامة ثماني “ولايات” تابعة لها في منطقة الخليج على غرار ولاياتها الأخرى في سيناء وسرت وخراسان والموصل والرقة، بالجدية الكافية، فوجود 17 الف شرطي، نشرتهم الحكومة لتأمين احتفالات رأس السنة الجديدة، لم تمنع تسلل “بابا نويل” المزور الى اشهر الملاهي الليلية في إسطنبول، واقربها الى موقع الاحتفال الرسمي، واطلاق النار على 800 الف محتفل.

اما اذا لم تتأكد، وتبنت المسؤولية منظمة كردية إرهابية متطرفة، فان هذا يعني ان هناك استراتيجية كردية للثأر والانتقام، قد تكون اخطر من نظيرتها لدى “الدولة الإسلامية”، لان الاكراد في قلب النسيج الاجتماعي التركي الداخلي، واكثر دراية بشعاب انقرة وإسطنبول، والمراكز السياحية الجاذبة للزوار الأجانب.

تركيا تعيش حاليا ازمة حقيقة بشقيها الإرهابي والاقتصادي المتلازمين، والمخارج منها تبدو غير جاهزة.. وهنا مكمن الخطورة.