الأسرى الفلسطينيون قبل “أوسلو”: المستقبل المجهول

ibrahim sarsour1

إبراهيم صرصور

أشاركُ إلى ابعدِ مدى أهالي أسرى الداخل / فلسطينيي 1948، والقدس المحتلة، قلقَهَم حول فرص الإفراج عن أسراهم القدامى (ما قبل أوسلو)، في ظل الضباب الكثيف الذي يحيط بالمسألة، والتناقض الكبير الذي يظهر من تصريحات الأطراف المعنية . إن عدم إصرار المفاوض الفلسطيني على المطالبة بالإفراج عنهم في الدفعتين الأولى والثانية على الأكثر، أصلَ الداء وأُسَّ البلاء، لأننا كنا نرى في هذا الإصرار الضمانَ الوحيدَ ألا يقعوا المفاوض والأسرى معًا ضحايا المراوغة الإسرائيلية .

قَبْلَ أن تبدأ الجولة الأولى للمفاوضات في واشنطن، ورغم تأكيدنا على الجانب الفلسطيني بكل الوسائل المتاحة ضرورة وقوفها بحزم على حقها في أن يتم الإفراج عن جميع الأسرى السياسيين ما قبل ( أوسلو ) قبل بدء المفاوضات على قاعدة أن تحرير الأسرى يجب أن يكون شرطا للمفاوضات لا نتيجة من نتائجها، جاء  تصريح وكيل وزارة شؤون الأسرى والمحررين، زياد أبو عين، في حينه من أن ( الجانب الإسرائيلي أبلغ نظيره الفلسطيني بالإفراج عن الدفعة الأولى من أسرى ما قبل توقيع اتفاق أوسلو 1993، والبالغ عددهم 25 أسيراً خلال شهر 8.2013 )، لينسف هذا الأساس الذي تحدثنا عنه . حينها طرحنا مجموعة من الأسئلة كنا نتمنى على الجانب الفلسطيني أن يأخذها بعين الاعتبار . أولها، هل يعني هذا التصريح لوكيل الوزارة أن إسرائيل هي من ستحدد أسماء الأسرى المفرج عنهم في كل دفعة ؟ ثانيها، هل تشمل القائمة الأولى أحدا من أسرى الداخل ؟ ثالثها، هل ستكون دفعات المحررين متساوية، أم أنها  ستكون اكبر في الدفعات الثانية والثالثة ؟ رابعها، هل ستؤجل الدفعة الأخيرة ( الرابعة كما يبدو ) حتى نهاية فترة المفاوضات ( تسعة أشهر )، ومن هؤلاء الأسرى الذين سيؤجل الإفراج عنهم إلى النهاية ؟ . خامسها، هل يستطيع الجانب الفلسطيني طمأنة أهالي أسرانا في الداخل حول الوضع التفصيلي لعملية الإفراج عنهم وجدولها الزمني، بعيدا عن التصريحات العامة ؟

عدم وضوح الصورة يزيد من قلق أهالي أسرانا في الداخل، خصوصا وان الحديث يدور عن أسرى يقضون في سجون الظلم مددا تتراوح بين 25 -31 عاما، بعد أن قفزت عنهم كل الإفراجات السياسية منذ أوسلو 1993، وكذا صفقات تبادل الأسرى بين فصائل المقاومة وإسرائيل منذ العام 1985 وحتى الآن . أما وقد انطلقت المفاوضات بين فلسطين وإسرائيل في واشنطن وتلتها جولات، فلم يبق إلا أن يتلقى أهالي أسرانا المعلومات الدقيقة حول مصير أسراهم في إطار هذه المفاوضات حتى لا يظلوا نهبا للإشاعات التي تزيد أوضاع الأهالي النفسية ترديا وتدهورا .

واجب المفاوض الفلسطيني في هذه المرحلة الدقيقة أن يكون حذرا وألا يعطي  الجانب الإسرائيلي الفرصة للتلاعب في هذا الملف الخطير، الأمر الذي يتطلب موقفا فلسطينيا متطورا يدعو كرد علىهذا السلوك الإسرائيلي، المطالبة بالإفراج عن أسرى الداخل ( فلسطينيو 1948 )  أولا في إطار الدفعة الثانية  بعد أن تم الإفراج عن الدفعة الأولى دون أن تشمل أحدا من أسرى الداخل والقدس .نحن على ثقة كاملة بأن الموقف الفلسطيني الثابت، والإصرار على الإفراج عن كل الأسرى القدامى دون تجزئة، هو الذي سيجبر الحكومة الإسرائيلية وسيضطرها إلى الإذعان لهذا المطلب العادل وإن اضررنا للانتظار قليلا من الوقت .

لاحقا فاجأتنا إسرائيل بنشرها الجدول الزمني المتعلق بمسألة الإفراج عن الأسرى الفلسطينيين القدامى ( ما قبل أوسلو )، ال – 104 بما فيهم أسرى الداخل القدامى ، والذي كان بكل المعايير مهزلة ومؤامرة ضد الأسرى ما كان للمفاوض الفلسطيني أن يقبل بها حتى لو ذهبت المفاوضات إلى الجحيم …

كان القلق سيد الموقف منذ أعلن الجانب الأمريكي استئنافالمفاوضات بين الفلسطينيين والإسرائيليين، خصوصا وأن الملفالجوهري المتعلق بالأسرى القدامى ظلت تحجبه ستارة كثيفة منالضباب والدخان، إلى درجةٍ لم يعد أهالي الأسرى يعرفون مصيرأبنائهم في ظل هذا الوضع المريب . جاءت هذه التطورات لتزيد حالة الغموض خصوصا وأن الاتصالات المكثفة التي أجرتها لجنة ممثلةعن أهالي أسرى الداخل مع أكثر من طرف فلسطيني، لم تقدم أيةإجابات شافية لكثير من الأسئلة العالقة، وأهمها، لماذا لم يصرالمفاوض الفلسطيني على العودة إلى المفاوضات من غير أن يضمنالإفراج  عن الأسرى فورا، أو على الأقل خلال ثلاثة أشهر من بدءالمفاوضات . هذا بالإضافة إلى أن يكون أسرى الداخل والقدس منأوائل من يجب الإفراج عنهم بسبب استهدافهم من إسرائيل أكثر منغيرهم لأسباب لا تخفى على أحد ؟!!!

قبول الجانب الفلسطيني بإعلان الحكومة الإسرائيلية المتعلق بالجدول الزمني للإفراج عن الأسرى الفلسطينيين القدامى ( أسرى ما قبل أوسلو )، في إطار تجديد المفاوضات بين الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني، والذي أشار إلى أربع مراحل، ( تبدأ أولاها منتصف شهر 8.2013، تليها دفعة ثانية بعد أربعة أشهر من بدء المفاوضات مع السلطة الفلسطينية، على أن يتم تنفيذ المرحلتين الثالثة والرابعة بعد مرور ستة أو ثمانية أشهر على انطلاق المفاوضات، وتظل رهينة التقدم فيها )، إنما هو أمر معيب لا يقبله عاقل .

إن صحت هذه المعلومات – وأظنها صحيحة – خصوصا وأنها تأتي في ظل رفض الجانب الفلسطيني تقديم الإجابات الحاسمة والقاطعة حول الموضوع لأهالي الأسرى،  فإن ذلك يعني أن الفلسطينيين قد تنازلوا لإسرائيل عن الحق في تحديد أسماء الأسرى في كل دفعة، وتحديد الجدول الزمني للدفعات الأربعة، معتمدين على ( حِنِّيَةِ !!! ) إسرائيل ( وَرِقَّةِ ) قلبها ( المعروفة !!! ) ، بما يسمح لإسرائيل بالمراوغة والابتزاز حتى آخر لحظة، وأن يبقى مصير الأسرى بيدها وبيد حكومتها، الأمر الذي يعني أيضا بقاء مصيرهم مجهولا بسبب التجارب المريرة التي مر بها الفلسطينيون في كل مراحل المفاوضات السابقة، وما سجلته إسرائيل من صفحات الغدر والخديعة عبر تاريخها الطويل مع الفلسطينيين وبالذات في موضوع الأسرى ..

لنا أن نسأل هنا : هل نفهم من الإعلان الإسرائيلي أن الباب قد أغلق أمام المفاوض الفلسطيني، وأن الصلاحيات المطلقة  لتحديد كل ما له علاقة بالأسرى هو بيد إسرائيل فقط، وما على الفلسطينيين إلا أن يقبلوا بما تمليه حكومة إسرائيل ؟؟!!! إن كان هذا الوضع صحيحا، لماذا لا يصارح المسؤولون الفلسطينيون أهالي الأسرى بذلك حتى لا يبقوا نهبا للإشاعات، وليعرفوا أيضا انه  لا جديد تحت الشمس، وأن ملف أسراهم قد تحول بسبب ضعف المفاوض الفلسطيني وقلة حيلته، إلى سوط بيد إسرائيل تبتز به الفلسطينيين بدل أن يكون أداة ضغط بيد الفلسطينيين تحاصر بها إسرائيل وتجبرها بها على الرضوخ لإرادتهم.

المناورات الإسرائيلية  يجب ألا تنطلي على أحد، ويجب أن تواجه بموقف فلسطيني متطور يدعو كرد على هذا السلوك إلى الإفراج عن أسرى الداخل والقدس المحتلة أساسا في إطار الدفعة الثانية المتوقع تنفيذها خلال شهر تشرين أول 2013، هذا إن صحت التصريحات الفلسطينية التي أنكرتها الحكومة الإسرائيلية حتى الآن، قبل الرجوع إلى أية جولة جديدة من المفاوضات.

على المفاوض الفلسطيني أن يشترط شرطين أساسيين إذا ما ذُهِبَ إلى الإفراج التدريجي، أولهما، أن تحتفظ القيادة الفلسطينية بالحق المطلق في تحديد أسماء المشمولين في الدفعات، وعدد الدفعات وعدد المفرج عنهم في كل دفعة. أما ثانيهما، فالحرص على أن يكون أسرى الداخل والقدس المحتلة ضمن الدفعة الثانية أو الثانية والثالثة على الأكثر، لأن الجماهير العربية لا تثق بحكومة إسرائيل خصوصا، ولأن هذه هي الفرصة الأخيرة المتاحة للإفراج عنهم، فلا نسمح بتضييعها أبدا…

انفراد إسرائيل بتحديد أسماء الأسرى المفرج عنهم.. الخ..، مع تنازل غير مفهوم من الجانب الفلسطيني عن حقه المطلق في هذا الشأن، يعتبر تفريطا بامتياز بهذا الملف الخطير. ماذا بقي للمفاوض الفلسطيني بعد اللطمات الأخيرة التي وجهتها إسرائيل إليه سواء في موضوع الاستيطان الذي أعلنت حكومة نتنياهو أنها ماضية فيه وبكثافة في كل أرجاء الضفة المحتلة بما في ذلك القدس، وهي بذلك تنسف بالضرورة المفاوضات من أساسها والتيمن المفروض أن تتم على قاعدة حدود 1967، ثم تأتي لتفرج عن 26 من الأسرى الفلسطينيين الأعزاء، منهم ثمانية أسرى سينهون مدد محكومياتهم خلال السنوات الثلاثة القريبة، واثنان سينهونها خلال نصف السنة القريبة، 14 من غزة و – 12 من الضفة، حيث لا تشمل هذه القائمة التي انفردت إسرائيل بتحديدها أيا من أسرى الداخل الأيتام على موائد اللئام، وكذلك أسرى القدس الشريف. بأي وجه يمكن أن تواجه قيادة رام الله الشعب الفلسطيني بعد هذه الفضيحة المجلجلة ؟؟!!

لقد أصاب عميد الأسرى كريم يونس، كبد الحقيقة وذلك في رسالته المفتوحة التي نشرتها له كثير من وسائل الإعلام الأحد 11.8 حيث قال بالنص: (بعد أن عادت لنا ابتسامة الفخار وعزة الانتماء، وضخت في قلوبنا دماء الأمل المتجدد، نجد أنفسنا نعود على بدء ونغرق مرة أخرى في متاهات الضياع والتجزئة والمراحل والتقسيمات الأمنية والجغرافية، وكأن تجربة 20 عاما من المفاوضات لم تكف للتعرف على عدونا وعلى نتنياهو بشكل خاص …) … ماذا ستقول القيادة الفلسطينية الرابضة في المقاطعة لكريم يونس وأمثاله بعد الذي جرى، وكيف سيصدق أسرانا بعداليوم وعود هذه القيادة التي تلطمها إسرائيلالمرة تلو الأخرى دون أن تجد الرد الفلسطيني المناسب والمدوي المساوي قوة وإيلاما ؟؟!!

لقد وقع المفاوض الفلسطيني فيما حذرنا منه قبل بدء المفاوضات، حين تنازل عن كل أوراقه وسلمها لإسرائيل وولية نعمتها أمريكا، ولم يبق بيده شيئا، رغم أن ملف الأسرى هو الملف الوحيد الذي كان يمكن للقيادة الفلسطينية ألا تقدم فيه أية تنازلات خصوصا بعد تنازلها المشين في موضوعي الاستيطان وحدود 1967.

بات من الواجب على الجماهير العربية في الداخل وعلى الشعبالفلسطيني في كل أماكن تواجده، ممارسة الضغط على القيادةالفلسطينية بكل الوسائل المتاحة في سبيل تدارك الفشل الذريع الذيوقع، وذلك من خلال اشتراط العودة لطاولة المفاوضات بأن يفتحملف الأسرى من جديد، وأن تضع القيادة الفلسطينية قواعد اللعبة في حدود ما ذكرنا. هذا فقط ما يمكن أن يحفظ ما تبقى من ماء وجهالقيادة الفلسطينية، وهذا وحده ما يرضي أهالي الأسرى، وغيرهباطل لن يَجُرَّ على القيادة الفلسطينية إلا مزيدا من العار الذي لانريده لها، ونحن الذين نتمنى لها النجاح في استرجاع الحقالفلسطيني كاملا .

 رغم كل شيء، نعلن أننا نملك من الشجاعة الكافية أن نوجه شكرنا للقيادة الفلسطينية علانية  إن نحن رأينا غدا أو بعد غدٍ أسرانا يعودون إلى أهلهم بعد غياب امتد لثلاثة عقود طويلة.

   رئيس حزب الوحدة العربية/الحركة الإسلامية