اغتيال زهران علوش رسالة مزدوجة للمعارضة السورية والسعودية معا.. اربع محطات رئيسية لا بد من التوقف عندما لرصد التداعيات المترتبة على عملية الاغتيال.. ولكن ما هو مستقبل “جيش الاسلام”؟ وهل ستصبح دمشق اكثر امنا؟

 atwan new

 

 

عبد الباري عطوان

عمليتا اغتيال وقعتا في غضون عشرة ايام يمكن ان تشكلا، متفرقتين او مجتمعتين، محطات مهمة في سير الاحداث في منطقة الشرق الاوسط في العام الميلادي الجديد، الاولى تلك التي استهدفت العميد سمير القنطار بصواريخ اطلقتها طائرات اسرائيلية، والثانية راح ضحيتها المعارض السوري البارز، ان لم يكن الابرز، زهران علوش ليلة الجمعة الماضية.

اغتيال القنطار ربما يؤدي الى حرب اقليمية في حال اقدم حزب الله على الثأر لاستشهاده، ونفذ عملية واسعة ضد اهداف اسرائيلية، واغتيال زهران علوش قد ينسف العملية السياسية التي بدأت في فيينا، ووضعت خريطة طريق لحل سياسي في سورية، وتكرست من خلال قرار مجلس الامن الدولي رقم 2254.

الجيش العربي السوري تبنى اغتيال الراحل علوش قي بيان رسمي، فسخ الانطباع الاول الذي ساد طوال ليلة امس، واكد ان طائرات روسية هي التي نفذت العملية، ولا نعتقد ان هناك اي فرق بين الجبهتين حاليا، فكلاهما يقفان في الخندق نفسه، وهناك مصلحة قوية للقيادة الروسية في تصفية زعيم “جيش الاسلام” الذي تجرأ على قصف سفارتها في دمشق.

***

واذا اخذنا عملية الاغتيال هذه في سياق ما يجري من احداث وتطورات في المشهد السوري، فانه يمكن القول انها عملية تصب في مصلحة النظام في دمشق، الى جانب “انجازات” اخرى مثل التوصل الى اتفاق مع “الدولة الاسلامية” لاجلاء 5000 تقريبا من مقاتليها وعائلاتهم من مخيم اليرموك، والحجر الاسود، واماكن اخرى جنوب دمشق، مضافا الى كل ذلك نجاح الدبلوماسية الروسية بقيادة سيرغي لافروف في استبعاد اي اشارة في قرار مجلس الامن المذكور تتعلق بمصير الرئيس السوري بشار الاسد.

النقطة الاهم في عملية اغتيال الراحل علوش تأتي من اربعة امور رئيسية:

  • الاول: انها جاءت لتعكس اختراقا امنيا كبيرا للمعارضة السورية المسلحة و”جيش الاسلام”، على وجه التحديد، على غرار اختراق آخر ادى الى تصفية “احرار اشلام”، في عملية مماثلة قرب حلب قبل عام، راح ضحيتها ما يقرب من الخمسين شخصا.

  • الثاني: ان عملية الاغتيال هذه تشكل رسالة قوية الى فصائل المعارضة السورية الاخرى وقيادتها في الداخل والخارج، تؤكد انهم قد يكونوا اهدافا مستقبلية لعمليات مماثلة.

  • الثالت: محاولة لنسف مؤتمر المعارضة السورية في الرياض الذي انعقد قبل ايام، وانبثقت عنه هيئة عليا للمفاوضات، وتوجيه ضربة اخرى للقيادة السعودية باغتيال احد ابرز رجالها في المعارضة السورية، ان لم يكن اهمهم، وان عملية الاغتيال هذه قد تتطور الى ما هو اسوأ.

  • الرابع: ان النظام السوري بدأ ينتقل من مرحلة الدفاع التي انتهجها طوال السنوات الخمس الماضية من عمر الازمة، الى مرحلة الهجوم داخليا، مع عدم استبعاد الانتقال الى الخارج لاحقا، بعد ان جرى تأمين نسبة كبيرة من جبهته الداخلية من خلال التدخل العسكري الروسي.

ما يؤكد معظم الاعتبارات الاربع المذكورة آنفا، اعلان القيادة الجديدة لـ”جيش الاسلام” عن الانسحاب من الهيئة العليا للمفاوضات المنبثقة عن مؤتمر الرياض احتجاجا على اغتيال زعيمها، وتهديدها بالرد بقوة على عملية الاغتيال هذه، مما يعني انهيار هذه الهيئة، كليا او جزئيا، والمؤتمر الذي انبثقت عنه، وخلط الاوراق من جديد، وربما العودة الى المربع الاول، اي مرحلة ما قبل انعقاد هذا المؤتمر في العاصمة السعودية.

السؤال الذي يطرح نفسه هم حول انعكاسات عملية الاغتيال هذه على “جيش الاسلام” ومستقبله؟ وما اذا كانت هذه العملية ستقلص خطر هذا الجيش على العاصمة السورية التي دأب على قصفها، وبث الرعب في صفوف ساكنيها؟

هناك عدة نظريات مطروحة: الاولى تقول بأن تأثير عملية الاغتيال على “جيش الاسلام” سيكون محدودا، لانه جرى اختيار قيادة جديدة بعد ثلاث ساعات من العملية، مما يعكس عدم وجود صراع اجنحة، اما الثانية، فترى عكس ذلك، وتقول بأن “جيش الاسلام” هو زهران علوش، وزهران علوش هو “جيش الاسلام”، اي انه جيش الرجل الواحد، على غرار تنظيمات وجيوش عديدة، ضعفت، او انهارت، بعد مقتل زعيمها، وهناك لائحة طويلة في هذا الصدد.

نميل الى ترجيح النظرية الثانية، لانه لا توجد عقيدة ايديولوجية قوية لتنظيم “جيش الاسلام”، اسلامية، على وجه الخصوص، مثل ايديولوجية كل من “الدولة الاسلامية” و”جبهة النصرة”، تجعل اللحمة قوية بين مقاتليه، فعقيدة هذا الجيش تترسخ في قتال النظام حتى اسقاطه، وهي عقيدة تؤمن بها عشرات، ان لم يكن مئات التنظيمات والحركات الاخرى، واحتمال حدوث انقسامات وانشقاقات في صفوف “جيش الاسلام”، والحركات المعارضة الاخرى بالتالي، غير مستبعدة في الاسابيع او الاشهر المقبلة.

 

***

ربما يكون من السابق لاوانه التكهن برد الفعل الانتقامي للجيش الاسلامي على اغتيال زعميه، وما اذا كان هذا الاغتيال سيجعل من العاصمة السورية اكثر آمنا، لكن ما يمكن قوله ان القصف بالصواريخ، ومدافع الهاون ربما يتكثف في الايام المقبلة، وبتحريض سعودي مباشر، من منطلقات انتقامية من النظام الذي سدد ضربات دبلوماسية وعسكرية قوية الى القيادة السعودية، باغتيال العمود الفقري لحربها غير المباشرة لاسقاط النظام، ومن غير المستبعد ان تكثف هذه القيادة دعمها العسكري النوعي للجيش المذكور، وربما فصائل اخرى، مثل ان تزودها بصواريخ، ومدافع متقدمة مضادة للدروع، وربما للطائرات ايضا، رغم ان اي قرار في هذا الصدد سيضع الرياض في مواجهة موسكو وجها لوجه.

الاحتفالات التي انطلقت في بعض المناطق التي تسيطر عليها السلطات السورية، وانعكاساتها على شكل حالة فرح، وتبادل تهاني لانصارها على شاشات التلفزة، ومواقع التواصل الاجتماعي، في مقابل صمت المعارضة، بل وصدمتها، كلها تعكس حجم “الانجاز″ الذي تحقق باغتيال الراحل زهران علوش وقيادات الفصائل الاخرى التي كانت تجتمع به في الغوطة الشرقية، في اطار عملية مصالحة بين جيشه و”فيلق الرحمن”، بعد اشتباكات دموية بين الفصيلين.

اغتيال زهران علوش ضربة كبيرة للمعارضة السورية من حيث معانيها، والآثار، والتداعيات التي يمكن ان تترتب عليه، ستصب في مصلحة السلطات في دمشق من حيث تعزيز الثقة بالنظام، واصابة خصومه في مقتل، في توقيت على درجة عالية من الحساسية والاهمية معا.