بشار طافش: عودة العنف الجامعي إلى الأردن ما هي الأسباب الحقيقة؟

bashar-tafies.jpg77

 

 

 

بشار طافش

الزمن الأسبوع الماضي عاد العنف الى الجامعات الأردنية من جديد بعد غياب أعتقد انه غياب غير حقيقي، فبعض الجامعات علقت الدوام ليوم او يومين، وبعضها قلص الدوام او اقتصره على الإداريين فقط نتيجة المشاجرات الجامعية الطلابية والتي استخدم في بعضها الأسلحة. 

لكن الغريب في العنف الجامعي هذه المرة انه بدا وكانه تضامنا من الجامعات تجاه بعضها البعض حيث انتشرت الشجارات الطلابية الجماعية من جامعة إلى أخرى خلال نفس اليوم او في اليوم التالي وهكذا حتى أطلق على الأسبوع الفائت أسبوع العنف الجامعي في الأردن!

حقيقة توخيت عدم ذكر اسم جامعة بعينها لأنني ومن خلال هذا المقال لا أرمي إلى التشهير بجامعات اردنية عريقة خرجت أجيال وأجيال من الأردنيين وغير الاردنيين وما زالت، لكني هنا أريد أن أناقش الأسباب الحقيقية التي أعتقد أنها وراء كل هذا العنف الجامعي المخجل البائس والتعيس.

من الممكن وحسب رأيي ان نقسم الاسباب إلى اسباب عامة وأسباب خاصة، فالأسباب العامة يكمن جلها في كون المواطن وخاصة فئة الشباب منهم لم يعد يعول كثيرا على الدولة او القانون من حيث تطبيقه وهيبته ومن بعده هيبة الدولة وجدية مؤسساتها فأصبح هناك نقوص مرة أخرى حتى في ظل القرن الواحد والعشرين نحو العشيرة ومن ثم الفخد “وهو من مكونات العشيرة” ومن ثم العائلة والعودة مجددا نحو تكريس مفهوم المثل الشعبي الخطير (انا وابن عمي على الغريب وأنا وأخي على ابن عمي) لقد تركز بل اقتصر انتماء المواطن وخاصة الشباب على عشيرته الممتدة وعائلته بحيث بات يعتقد أن حاميه ومحتضنه وجالب حقوقه الأوحد هي العشيرة والعائلة وذلك نابع من ضعف الدولة وهشاشة مؤسساتها في نظره وعدم تطبيق القوانين الغير فعالة أصلا بشكل متساوي وعادل على كافة المواطنين، لذلك فإن معظم المشاجرات الطلابية الجماعية في الجامعات الأردنية إن لم يكن جلها هي مشاجرات ذات طابع عشائري بحت ولذلك أيضا نجدها امتدت إلى جامعات أخرى كتاكيد على هذا الطابع بحيث تضامن طلاب العشيرة الواحدة في جامعة أخرى مع طلاب عشيرتهم في الجامعة التي نشب بها الشجار وانتقلت المشاجرة الى جامعتهم ضد طلاب العشيرة المقابلة، هنا يجب علينا أن ننوه بان من اهم مميزات البلدان المتخلفة هو امتداد العائلة بها بحيث يكون الانتماء الأول والأخير هنا للعائلة “العشيرة” وذلك لضعف الدولة ومؤسساتها، وأن من أهم مميزات الدول المتقدمة هي ما يسمى بالعائلة الخلية الصغيرة، لا وجود لمفهوم العشيرة هنا فالمواطن يشعر بالأمان أصلا في ظل الدولة ومؤسساتها وفاعلية قوانينها والعدالة في تطبيقها، لذلك فانتمائه الأول والاخير هنا للدولة والبلد والوطن والمؤسسات.

من الأسباب العامة أيضا قصور في نظام القبول لدى الجامعات في الأردن، فهناك مثلا نظام “المكرمات” فبالرغم من أن هذا النظام يتيح فرصا تعليمية لذوي الحظ الناقص او القليل من أبناء البلد وهذا أمر جليل ومقدر إلا انه يتيح أيضا فرصا لدى طلبة امتهنوا الغش في تحصيلهم الدراسي كون المكرمة في انتظارهم او حتى طلبة لم يكن تحصيلهم سوى مقبول في أفضل الحالات أدخلوا الجامعة بلا جهد لينافسوا أولئك الطلبة الذين سهروا الليالي الطوال ليتحصلوا على المعدلات التي تخولهم دخول الجامعة لنجد مثلا في نفس التخصص طلبة المكرمات الجهلة في كثير من المواد المطلوبة أصلا لتخصصهم إلى جانب طلاب فطاحل في ذات المواد، وهنا تظهر الحقيقة المرة والقاسية أمام جل طلبة المكرمات هؤلاء ليجدوا انفسهم غير كفوءين البتة بدخولهم الجامعة من أصله إلى جانب تخصصاتهم التي خولتهم لها تلك المكرمات أصلا، وهنا يبدأ الشعور بالنقص تجاه باقي الطلبة والحاجة إلى التميز، وكذكر “ليس بالضرورة كرجل” ذكر هائج ابن عشيرة او عائلة كبيرة يشعر بالنقص أمام الإناث بالذات وباقي أقرانه من الطلبة بالإضافة إلى الفراغ الذي فرض عليه من جامعته وعدم وجود أنشطة او فعاليات ناجعة رائدة تستوعب امثاله الطلبة وتصهرهم في جو جامعي صحي، لم يعد أمامه كي يظهر نفسه ويتميز سوى العنف ولا شيء غير العنف.

أما الأسباب الخاصة فهي تتفرع إلى التربية في الدرجة الأولى وفشل واضح في بنية اللبنة الأساس للمجتمع الأردني وهي الأسرة، نجدها مشوهة في جوانب عدة فقد تكون أسرة متماسكة محبة ناجحة أكاديميا واقتصاديا لكنها تحقق فشل ذريع ومخجل في نظرتها وتقبلها للآخر، أذكر معلمة في الصفوف الأولى من المرحلة الإبتدائية أخبرتني ذات مرة بأن طفلا في صفها أخبرها بأنه لو لديه إصبع من جنسية عربية معينة لقام بقطعه! من أين جاء هذا الطفل البريء بأفكار مماثلة؟ هذا الطفل ذو الست او السبع سنوات، بالتأكيد جاء بمثل هذا الفكر العنيف الخطير الهدام من أسرته ومن أفكار اربابها التي يعبرون عنها في احاديثهم او تعاطيهم مع أمور معينة أمامه.

فرع آخر من الأسباب الخاصة أيضا وهو شبه مقتصر تقريبا على ذوي أولئك الطلبة الذين ينخرطوا في دوامة العنف الجامعي، وهو التشجيع على الغش في كل شيء وخاصة امتحانت الثانوية العامة او كما تسمى في الأردن “بالتوجيهي” الأمر الذي دفع وزير التربية “محمد الذنيبات” لاتخاذ إجراءات وصفت بالعنيفة احيانا للحيلولة دون الأهالي الذين كانوا يهددون المراقبين بالكلاشنكوف للسماح لأبنائهم بالغش! او يقومون بتحطيم سيارات المراقبين او الاعتداء عليهم بالضرب اذا حرموا أبنائهم  من الغش! تخيل في النهاية ان أمثال هؤلاء الطلبة المترعرعين في جو فاسد أخلاقيا تماما ذهبوا ليصبحوا طلبة جامعيين ومعهم كل أنواع الفشل التي يمكن لنا أن نتصورها! من فشل في التركيبة الذهنية التي ورثوها إلى تشوهات أخلاقية مستعصية تماما.

اذا هي في النهاية فشل ذريع في المنظومة الأخلاقية حصدت من الوزير الفاسد والمسؤول الفاسد والتاجر الجشع والمواطن الغير منتمي….. الخ إلى الطالب الجامعي الفاشل العنيف الذين من المؤكد انهم تخرجوا جميعا من هكذا مؤسسات أسرية مشوهة اخلاقيا تماما.

لا بد أن الحل يكمن في النهاية في التركيز على الأخلاق والتأسيس لذلك قبلا وقبل كل شيء داخل الأسرة الخلية الأولى.

http://3ankathab.com
http://3ankathab.arablog.org