بشار طافش: عائد الى فلسطين فماذا وجد.. سلطة تتغول وتطبيع عربي يتزايد

bashar-tafies.jpg77

بشار طافش

الجزء الأول

الزمن 2000 كنت في سيارة أجرة تتجه شرقا من مدينة طولكرم الى مدينة نابلس في الضفة الغربية بفلسطين المحتلة عام 1967، المقصد كان مدينة رام الله، عدت هناك الى الوطن كزائر! بعد رحيل قصري استمر زهاء الثلاثة عشر عاما وما زال للحظة. مررت بالسهول والجبال وكل الأماكن التي بقيت في ذاكرتي كحلم خلال فترة الثلاثة عشر سنة هذه، خلف الجبال بالذات تقبع قريتي وقرى كثيرة حولها ضمت كل المنازل والشوارع والحواري القديمة الضيقة الممرات والتي كانت يوما تسطر تاريخا من نضال شهدته خلال الإنتفاضة الأولى.

بينما تعبر السيارة خلال السهول الممتدة على جانبي الطريق، السهول قبيل بلدة “دير شرف” كان يقف هناك على الجانب الآخر من الطريق ما يُطلق عليه بالعامية هناك بفلسطين “تَندر” أي سيارة “بيك آب” من نوع بيجو قديمة وكان بداخلها وعلى ما يبدو رجل طاعن في السن ذو بشرة سمراء، في البداية لم تثر إهتمامي كثيرا هذه السيارة حقيقة، إلا قدر إلتفاتي نحوها مجددا بعد أن أخذتنا المسافة كي أرمقها أكثر كون هذا النوع من السيارات لم أعهده يوما سوى هناك بفلسطين.

كانت السلطة الفلسطينية وليدة اللحظة بالنسبة لي، فأنا تركت الوطن مُرغما! وعدت وإذ بالسلطة، إستهجنتُ كل شيء تعلق بها ودارت بيني وبين الكل تقريبا (كل من جلست معهم أو التقيت بهم أو زاروني وزرتهم أقرباء أو غرباء) الكل! أثناء وجودي في الوطن نقاشات حادة جدا حول السلطة وجدواها وفائدتها ووظيفتها! وما الى ذلك من نقاشات كانت تتحول في النهاية الى بيزنطية بامتياز! كنت أعذر البعض في تشددهم نحو السلطة الفلسطينية كون أبو عمار (ياسر عرفات) كان على قيد الحياة، هو الرمز الفلسطيني ورئيس السلطة، فالتأثر بالسلطة ربما منبعه ياسر عرفات. لم أعتقد غير ذلك، لكني وأنا الذي أُكِن الإحترام الكبير أيضا لأبو عمار كنت أدرك تماما بأنه كبير في السن ولن يدوم طويلا على قيد الحياة بوزنه الكبير في قلوب الشعب الفلسطيني وكذلك بمكانته وحضوره في المجتمع الدولي. وكنت أتساءل ماذا بعد مدريد ومن ثم أوسلو والسلطة وأخيرا أبو عمار.. ماذا بعدهم؟ شيء مرعب كان بالنسبة لي وقتها، فالبيت الفلسطيني لم يكن يوما مُرَتب.

في الحقيقة مررت بالسيارة التي كانت تقف قبيل بلدة دير شرف في الصباح، لكن وبعد أن عدت مجددا في المساء بعد غروب الشمس وجدت نفس السيارة تقف في ذات المكان ومازال يجلس بها ذاك الرجل أسمر البشرة! الأمر الذي دفعني الى الطلب من سائق الأجرة بالتوقف. ما بال هذا الرجل وكأنه لم يغادر سيارته البتة؟ هل هو حي أم ميت؟ ربما احتاج الى مساعدة لكنه لا يقوى على طلبها! ربما.

قبيل الذهاب لفلسطين وصلت الأمور حدها معي، فأنا الذي تركت طفولتي هناك ومعظم ذكرياتها لم أعد أحتمل التفكير بأنني ربما أبلغ من العمر عتيا أو أُدفن قبل الذهاب مجددا هناك ولو لمرة مرة واحدة بأي طريقة كانت (…) وبطريقة ما تحصل أهلي هناك على تصريح زيارة لي من سلطة الإحتلال، كان حلما بالنسبة لي لم أحلمه بعد وفيما لو حلمته يوما لم يكن يتخلله السلطة الفلسطينية مثلا، فكل الذي أعيه وما هو بذاكرتي هو أرض وشعب محتل يقارع إحتلاله!

أثناء وجودي هناك ذهبت الى الناصرة وحيفا وعكا وكثير من مدن الجليل الأعلى ومدن أخرى تقع ضمن فلسطين المحتلة عام 1948، شاهدت جنسيات عربية كثيرة هناك! (السعودية والمصرية والأردنية والخليجية بشكل عام) شاهدت أيضا شاحنات وسيارات بلوحات من دول عربية! قلت: هل هذا بفعل السلطة مثلا؟ أم أن أوسلو والسلام مثلا أوقفوا الإنتفاضة وجلبوا التطبيع ومعه السلطة أيضا؟ ما هذا التحول البشع في القضية الفلسطينية؟ هؤلاء العرب مثلا كيف سينقلون لأبنائهم (حقبة من الألم) إن سألوهم يوما عن كيفية الذهاب لفلسطين؟ هل سيقولون لهم نذهب وقت شئنا لم نعد بحاجة لا لتحرير فلسطين ولا لحل قضية فلسطين؟ ربما أن هذا أكثر محور دارت حوله تلك النقاشات العقيمة التي أخبرتكم عنها قبلا، ربما يخبو الحنين وربما تختفي كلمة فلسطين وقضيتها وفلسطينييها أيضا من ذاكرة العرب والعروبة يوما! وستبحثون عن قناة عربية تنعت إسرائيل بالعدو الصهيوني ولن تجدوا وستتحول مقاومتكم الى عبارة عن مفهوم من العصور الحجرية القديمة والمتخلفة والوحشية (الإرهابية) في قواميس عروبتكم وستُلعنون وقضيتكم ومقاومتكم وكلكم على المنابر في المساجد! وسنتقابل…العبارات التي غالبا ما كنت أختتم بها تلك النقاشات العقيمة، تحولتُ الى شخص غير مرغوب فيه ولم يعد يأتي المزيد من المهنئين الى منزل والدي بعودتي! ولم يدعوني المزيد من الناس الى منازلهم! أصبحت شخصا قد أجلب المشاكل ووجع الرأس! فالكل كان موظف في السلطة ولا يريد وجع رأس (…) قابلت شباب ورجال يجلسون على نواصي الطرقات طوال اليوم تقريبا وعندما كنت أسأل، ما يفعل أمثال هؤلاء؟ يخبرني أحدهم من ذوي الحظ الناقص! بأنهم من موظفي السلطة من أشخاص لا يعرفون ما وظيفتهم أصلا! الى أشخاص موظفين في جهاز المخابرات!

في الحقيقة وحاليا أنا أشاهد وشاهدت فاكهة إسرائيلية في أسواق أحد البلدان العربية وغيرها أيضا… أُلصق على كل حبة منها ملصق كتب عليه (إنتاج إسرائيل) تُعرض على البسطات في الشوارع والمحال! الناس يبتاعونها دون أدنى إستهجان لا هم يكترثون ولا البائع، حتى أن التاجر الذي استورد هذه الفاكهة نجده لم يتنبه لإزالة هذا الملصق أو ربما أنه لم يكترث أصلا. من هو المخطيء الحقيقي هل هي أوسلو أم السلطة الفلسطينية أم التاجر أم الجهة الحكومية التي أعطته ترخيص الإستيراد أم البائع أم المُبتاعون؟ من هو المخطيء؟ هي منظومة من الخطأ مُحكمة ومدروسة بعناية تامة حتى أدق التفاصيل.

نحن نعلم أن البضائع الإسرائيلية تواجدت في كثير من البلدان العربية، لكن بسرية تامة وبتمويه بلد الصنع، المهم أن يبقى إقتصاد إسرائيل على ما يرام من جهة معينة، الآن أصبح الأمر علنيا وببجاحة مطلقة، وكأن إسرائيل تقول: إنتهى عصر السرية من أراد أن يبقى معي بعلاقة طيبة فليُظهر هذه العلاقة، لا إستمرار بيني وبين من يخفي هذه العلاقة، لقد بذرت بذور هذا التوجه من خلال ما سمي (Quiz Zone) أي مناطق الإختبار وهي عبارة عن مناطق أقيمت في عديد من الدول العربية بحيث أقيم في مناطق الإختبار هذه مصانع إسرائيلية بإدارات إسرائيلية وبرؤوس أموال إسرائيلية وأحيانا تكون رؤوس الأموال هذه مشتركة (عربية  إسرائيلية) ويعمل في هذه المصانع عرب 100% وبالذات من العمال والكل يعلم ماهية هذه المصانع من عمال الى عملاء…الخ ماهيتها الإسرائيلية اليهودية البحتة! هي من إسمها مناطق إختبار أي إختبار مدى قبول الشارع العربي في هذه البلدان بالتحديد لمشاريع أو شراكة من هذا النوع ومن ثم يبدأ الشارع العربي بتقبل مثل هذا الوجود الإسرائيلي الذي بدأ بمصانع في مناطق الإختبار تلك ومن ثم شيئا فشئيا من خلال مبدأ (Slow raise) أي الزيادة البطيئة التي أنتهت الى الآن على الأقل بتواجد البضائع الإسرائيلية في الأسواق العربية بهذا الشكل.

هو مبدأ الضفدع المغلي، قد تضع ضفدعا في ماء مغلي فيقفز الضفدع مباشرة من هذا الماء، لكن لو وضعته في ماء بارد وأشعلت النار من تحته لارتفعت درجة حرارة الماء حد الغليان ومات الضفدع دون أن يشعر!

في الحقيقة قد يكون البوح عن درجة القبول التي يسعون لها (العرب والإسرائيليين) فوق تصوركم، لكن ربما تسكن يوما في عمارة يملكها يهودي من إسرائيل مثلا، أو أن تشتري أرضا تحتاج الى تواقيع هناك في تل أبيب مثلا لآستكمال عملية الشراء هذه كون مالكها يهودي من إسرائيل أو نبدأ بمشاهدة دعايات في محطات تلفزتنا لمطاعم أو مشاريع أو منتجات إسرائيلية، ربما مثلا تجد محالا تعرض بيع (القلنسوة) القبعة الصغيرة التي يعتمرها المتشددون اليهود على رؤوسهم ربما تجدها معروضة مثلا في متاجر هنا في بلادك  العربية كي يبتاعها أي شخص ويعتمرها! ربما أننا سنُسلم في النهاية كلنا كعرب وكفلسطينيين أيضا بيهودية إسرائيل بل كامل فلسطين، بل ربما حد هدم الأقصى ونرى الأئمة على المنابر ينادون (للبيت رب يحميه) (ولا تلقوا بأنفسكم الى التهلكة) نحن نشاهد الآن وسنشاهد المزيد من شعوب عربية كاملة تتنبلت مشاعرها وأفكارها وتشوهت توجهاتها وفسدت أولوياتها تماما.

أتَذَكر سنة 1982 وأثناء مباريات كأس العالم لكرة القدم وكان وقتها مباراة بين (البرازيل وإيطاليا) أتذكر كيف أن معظم الدول العربية وقتها مَنَعت بث هذه المباراة بالذات على شاشات تلفزتها كون الحكم كان إسرائيليا (…) ستكون هذه أزمنة غابرة ربما تُحكى للأطفال في قصص خيالية أو سحيقة في الذاكرة المفقودة. لكن مرة أخرى من هو المسؤول الأول عن وضع مزري ومخزي في حال الأمة العربية التي وصلت اليه وكذلك فيما وصلت اليه القضية الفلسطينية؟ من؟ أهي السلطة مجددا أم أوسلو أم الربيع العربي وما بعده؟

ثمة من يقول الآن، لماذا لا تنفك تُقحم السلطة الفلسطينية والفلسطينيين في ما آلت اليه حال الأمة وحال قضيتهم وما علاقة السيارة التي أتيت على ذكرها في البداية أصلا بكل الموضوع؟

 يتبع…

كاتب فلسطيني