نعتذر للصوملة وجمهوريات الموز فما يجري في ليبيا اكثر سوءا

عبد الباري عطوان

عاد السيد علي زيدان رئيس وزراء ليبيا الى مكتبه بعد اختطافه لعدة ساعات من قبل ميليشيا تابعة لغرفة ثوار ليبيا التي تحظى بدعم مالي ومعنوي من “الدولة” وخزينتها العامة.

الطريقة التي جرت فيها عملية الاختطاف والاعتقال هذه لا يمكن ان تحدث في اي بلد آخر غير ليبيا الحالية حيث الفوضى وسيطرة الميليشيات المسلحة، وانعدام الامن وضعف الدولة المركزية، وحصار المسلحين للوزارات ومبنى البرلمان واقتحام المطارات في اي وقت وعرقلة صعود وهبوط الطائرات.

خمسون سيارة حاصرت الفندق الذي يقيم فيه السيد زيدان في قلب العاصمة طرابلس (كورنيتيا) ثم اقتحمته في الرابعة صباحا، لتعتقل الرجل وتقتاده بملابس النوم الى مكان مجهول، بعد الاعتداء عليه بالضرب والسباب والشتائم والاتهامات بالفساد، وتبين لاحقا ان هذا المكان هو ادارة مكافحة الجريمة!

انها دولة فاشلة بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معنى، ونعتذر لجمهوريات الموز لاننا شبهنا ليبيا بها في مقالة سابقة، فمثل هذه التجاوزات ما كانت تحدث فيها، ولم نسمع مطلقا ان احد رؤساء وزارئها جرى اعتقاله، ومن قبل ميليشيا تابعة لحكومته وممولة منها، في مرحلة ما بعد تحرير وانتصار الثورة.

الامريكيون الذين “حرروا” ليبيا من الديكتاتورية الفاسدة المستبدة، ارادوها ان تكون دولة فاشلة مثلما فعلوا في العراق وافغانستان والصومال، طالما ان النفط يتدفق دون عوائق لحلفائها الاوروبيين على الجانب الآخر من المتوسط، وطالما ان الشركات الغربية ستجد الباب مفتوحا امامها لجمع المليارات في صفقات اعادة البناء، ولكن السحر انقلب على الساحر وسيطرت الميليشيات ولوردات حربها على اماكن الانتاج وموانئ التصدير لتنخفض الصادرات الى اقل من عشرة بالمئة من المعدلات الطبيعية.

فعندما تقوم وحدة من قوات المارينز الامريكية بانتهاك السيادة الليبية وخطف مواطن ليبي (ابو انس الليبي) بعد ادائه صلاة الفجر، واقتياده الى سفينة في عرض البحر لتعذيبه واستجوابه، وبتواطؤ من حكومة السيد زيدان، وبمعلومات استخبارية عن مكان وجوده من قبل اجهزتها الامنية، فليسى من المستغرب ان تقوم ميليشيات مسلحة باختطاف رئيس الوزراء بالطريقة التي شاهدناها، وردا على تواطؤ حكومته مع هذه الجريمة.

هذه القرصنة.. وهذا الانتهاك الفاضح للاعراف والقوانين الدولية، لا يمكن ان تقوم به الا جماعات خارجة على القانون مثل عصابات المافيا، وليس دولة كبرى تدعي انها زعيمة العالم الحر وترفع شعارات دولة القانون.

الشعب الليبي كله شعر بالاهانة من جراء هذا الاستفزاز الامريكي، وانا شخصيا اعرف هذا الشعب جيدا، اعرف طيبته ووطنيته وكراهيته للاستعمار، فقد عشت بين ظهرانيه، واقتسمت معه لقمة العيش، ولا استغرب ان لا يسكت، او مجموعة منه على هذا الاعتداء الامريكي المذل على سيادته وحرمة مواطنيه.

السيد زيدان المتهمة حكومته بالفشل والعجز، وعدم تحقيق اي انجاز يذكر لها، غير سفرات وزرائها الخارجية المترفة، واستفادة بعضهم من صفقات فساد مشبوهة، ونحن نتحدث هنا عن فشل امني وسيطرة المليشيات وغياب القانون، وتصاعد اعمال القتل والاغتيال والخطف والبلطجة، وانعدام الخدمات الاساسية.

السيد زيدان كان يجب ان يستقيل ليس بسبب الفشل فقط، وانما فور تسرب الانباء  عن عملية اختطاف الشيخ ابو انس الليبي على ايدي المجموعة الامريكية وفي قلب العاصمة، فالحكومات الوطنية المحترمة لا تسكت على عمل مشين كهذا، واذا تواطأت او سكتت فان الاقالة هو التصرف الدستوري السليم والحاسم تجاهها، على ان يتبع ذلك تقديم رئيسها الى المحاكمة بتهمة التواطؤ اذا ثبت تورطه فعليا بالادلة والبراهين، وهو متورط حتما بالاشارة الى تأكيد مسؤول امريكي بان الحكومة الليبية اعطت الاذن باعتقال الشيخ ابو انس الليبي.

الشعب الليبي لم يتخلص من الديكتاتورية من اجل ان يجد نفسه في هذا الوضع البائس على جميع الصعد، وتدار بلاده من قبل حفنة فاسدة من السياسيين، نسبة كبيرة منهم تعاونوا مع اجهزة مخابرات عالمية تحت مسميات متعددة، وحولوا البلاد مزرعة للفساد لهم ولاقاربهم تماما مثلما كان يفعل النظام الديكتاتوري السابق.

هذا الشعب البسيط المتواضع الطيب لا يستحق الوضع الذي يعيش في ظله حاليا، حيث الفوضى والفساد والاغتيالات وسرقة قوت يومه، وثروته النفطية، فقد ثار من اجل البديل الافضل، وبناء دولة حديثة عصرية تحتكم الى القانون والعدالة الاجتماعية والقضاء العادل المستقل، والحريات الحقيقية في ظل مجتمع متكافل متعايش دون اي تفرقة بين الشمال والجنوب او الشرق والغرب.

الشرعية في ليبيا تلقت في الايام الخمسة الاخيرة رصاصتين قاتلتين، الاولى تتمثل في اختطاف ابو انس الليبي، والثانية في الاختطاف المهين للسيد زيدان، ولهذا تظل شرعية مزورة، يجب اعادة الهيبة لها من خلال انتخابات برلمانية عاجلة خاصة ان صلاحية المؤتمر الوطني العام انتهت وكذلك الحكومة المنبثقة عنه ولا يجوز التمديد لها.

سمعت احد الناشطين السياسيين الليبيين يقول في مقابلة مع قناة “العربية” جرت في مقرها الرئيسي في دبي ان قطاعا من الشعب الليبي بدأ يترحم على ايام حكم الديكتاتور يأسا وقرفا من الحكم الفاسد الحالي.

لا الوم هؤلاء بالتعبير عن يأسهم واحباطهم من الفوضى التي تعم بلادهم بمثل هذه الطريقة، ولكني الوم من سرقوا الثورة الليبيية من اهلها، وقدموا النموذج الاسوأ في الحكم، وقادوا البلاد الى الفوضى والتفتيت والصراعات المناطقية والقبلية، ورسخوا حكم المليشيات المسلحة ولم يقيموا دولة مؤسسات بل هدموا بقاياها على سوئها.